يا جدي

يا جدي

أحتاج لأجلس مع تسعيني تجاعيد وجهه بعدد سنين عمره، يشتعل شعر لحيته شيباً، باطن يداه بيضاء وظاهرها يغزوه النمش، يسعل بقوة، ويتكئ على عكازه البني اللامع، أحتاج أن أجلس معه وحدنا في كوخ صغير، أمسك أوانيه بيدي وأتعرف على قصصها منه، أن أسأله عن أصحاب الصور التي تملأ الجدران، أسأله عن زوجته كيف التقيا وكيف افترقا، تناديني عزلةً لا يكون معي فيها سوى جميع إنسان بعقود ثمانية أو تسعة، جميع إنسان أعلم يقينا أننا سنفترق قريبا، وأنه سيكون على قدر العشم، ولا يعد بشيء كما أنه واضح جدا، يناديه صوتي ب "جدي" ويناديه قلبي ب"دفئة"، أسكب عليه من الإبريق ماءً كي يتوضأ فأرى في الماء المنساب عن يديه ووجهه ورجليه سكونا ً كنهر، وأرقبه عندما يلبس نظارته السميكه ويقرأ القرآن أو الجريدة، قد تاقت أذني لسماع تلك البحة في إيقاع الصوت التي اختلطت معها الحكايات والمشاعر والصدق ورقة القلب.
 
أتراني اشتقت إليك يا جدي إلى هذا الحد؟! واعترفت أخيراً بأنك من أشتاقه وأحتاجه الآن، قد حاولت الهرب كي لا يغرقني ألم الفقد، هل يا ترى فقدك وحدك هو من أعياني؟ أم أن الهموم تكالبت على قلبي البسيط فاجتاحتني رغبة اعتزال الدنيا كلها إلاك، وكل الدنيا الآن حولي إلا أنت، لا أملك منك سوى ثوبك الكحلي المهيب الذي كنت استمتع بكيه مع شماغك الأبيض عشية يوم العيد، وسوى الذكريات، والذكريات يا جدي احتراق فاحتراق، لا أنسى تلك الليلة التي اعتقدنا فيها أن ما أصابك فيها هو الأنفلونزا، ولم نكن نعلم أن ذلك مرض موتك، عندما قاسم الثلث الأخير ورحماته ساعاتك الأخيرة في بيتنا قبل نقلك للمشفى، لا أنسى كيف تفاعلت عيناك مع صوت الدعاء من هاتفي وكأنها تؤمن معي، ولا أدري أي شعور اعتراني جعل عيناي تبكيك بحرقة وكأن قلبي يعلم أنني أودعك، ولم أكن أعلم أنني بدأت أفقدك وأنك بدأت تتسرب من حياتنا وتتسرب بركتك من بيتنا.
 
مضت خمسة أشهر، كلما هدأ جرحي لفقدك أداريه بدعائي يا جدي، وكلما رأيت كهلاً تذكرتك، فأطيل فيه النظر غير آبهاً باكتشاف أحدهم لأمري؛ لأنني أشتاقك! وتجتاحني رغبة في الحديث معه وعندما لا أستطيع ذلك أشتهي البكاء لكنني أكف لأنني أعلم أنك أردتني دائما أن أكون قوية، لكن اعذرني اليوم يا جدي، العالم يضج من حولي وقد احتجت لهدوئك، والدنيا تصرخ في قلبي وأنا أحتاج كلماتك كي تذكرني بالآخرة، يكفيني أن أرى وجهك كي أتذكر، اليوم يا جدي أنا أبكي! أي يدٍ تلك التي ستتقمص دور يدك اللينة كوسادة تهدئ اضطراباتي، أغمس بها يدي وتغمس أنت في كلماتك أحزاني، لترتب في موجز حديثك فوضى مشاعري وتفتح في حديثك المطول آفاق إدراكي، من ذلك الذي أبدلك به، كي يعطني الأمل بأن أعيش كي أحقق أحلامي وأنسى أوجاعي على الرغم من أنه على شفير حفرة الغياب، من ذا الذي أنتظر أن يخجلني عمره الذي أمضاه كفاحاً إذا وقفتُ مطولاً أمام أحزاني، ويزرع بحسن فأله داخلي ذلك الكائن الذي لا يكسر إرادته شيء، لعلي لن أجد بديلاً لك يا جدي، ولعل الحكمة الإلهية أرادت بي أن آخذ من عاطفتي القوية تجاهك قوةً اعتمد بها على ذاتي، وأن رحلتك الجميلة في ربيع عمري علمتني أن لكل روح عرفناها لديها ما تعلمنا إياه، وإنني حاولت أن أكف عن النظر للناس بعمق كي لا أتعلق بنظرات أعينهم ونبض قلوبهم لئلّا أحزن إذا ما حانت ساعة الفراق كما حدث بي معك، لكنني لم أستطع يا جدي، ولعل عتابي عليك أنك رحلت قبل أن تعلمني كيف أكتسب تلك المناعة التي تقيني ألم الفقد.
هذا العيد الثاني الذي لا تتوسط فيه مجالسنا يا جدي، أسأل الله لك يا صديق طفولتي أن يكن عيدك في الجنة أبهى، فليرحمك الله.
 
إيناس غوانمه
 
 

المزيد من مشاركات الطلبة

21 Sep

من فيض الشتاء

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

من فيض الشتاء .. حكايا حواف الشتاء تتقدم .. تتزخرفُ السماء بحفنات... اقرأ المزيد

20 Sep

كلّ ما بها

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

كلّ ما بها تناديك، تُناجيك روحي يارب ملأت ثكنات القلب آنّاتها ي... اقرأ المزيد