ليست حمى تفكير

ليست حمى تفكير

وأنا أقرأ بصفحات التاريخ، مررت بدمشق وبغداد، لفتتني الحجاز وأنقرة، وأدهشتني الأندلس وقرطبة، أسرت إعجابي آيات كتاب الله التي زادها الأزرق جمالاً إذ خطها الرسم الكوفي والثلث الجلي، سكنت أنفي رائحة نبات البردى في كتب الوراقين، وشعرت بالأمان عندما أضاءت الشمعة إحدى الدكاكين حتى نمت، ولما أفقت وجدت نفسي وقد أدركت أن تلك القطع المتجاورات من الجمال والهيبة والحضارة لم تنشئها الطبيعة من تلقائها، بل على دستور القرآن أرحام أنجبت وكبرت، وأيدٍ بذلت وأكتاف حملت. رافقتني ملامح رجل قد أرهقت قلبي، كلما طويت صفحة سقط من عيني مئة رجل، وكلما تذوقت معنىً أغمضت عيناي فوجدته مرتسماً، قد قرأته كالكتاب، فهو واضح جدا لأن خلقه يشبه القرآن، لا أدري هل كان سلطاناً في قصره أو محارباً يمتطي فرسه أو نجاراً ملأ العلم عقله أو راعياً قد هذب السكون طبعه، لم يلفتني عمله بل رسالته، فعمل بلا رسالة هو ترجمة لتجارةٍ تبور، ولم يلفتني مركزه، لأن المركز بلاءً لا يرفعه الله عن من كلفه به إلا إذا رفع البلاء عن رعيته، لم أدرك هل كانت ملامحه عربية أو من الأوغوز فقد أنجبته أزماناً لم يتفاضل به الخلق إلا بالتقوى. وكأنني أنظر إليه الآن، إلى نظرته التي أحدّ من سيف الجبان، وبين يدي الله بكّاءةً كعَبرَات الرضيع، عيناه التي اجتهدت كي تتقي ربها في كل قطرة دم غذت أحداقها، فكافئها الله ببصيرة كانت لطريقه الدليل، وانظر لفمه الذي توسط اللحية المهيبة والشارب وقد طهره السواك كي يكون وعاءً يليق بنطق كلام الله، قد يكون طعامه من خبز الشعير، أو طعام القصور، لكن لو كان له بضع لقيمات لأشبعنه لأنه لم ينس أمر الله في أهل العدم، أشعر بصوته يأخذ بمجاميع إنصاتي وفكري كي يلقي عليّ قولاً ثقيلاً. لم يستطع ضميري تجاهل ما سمعت، فكل ما فيّ اقشعرّ وتبلّغ الرسالة، قد نقل لي هذا الرجل عن رسول الله الأمانة فحملتها، وإن تجاهلتها أكن ظلوماً جهولاً، أشعل في أضلعي البرق والرعد ونفث في جسدي خالد وسعد، ثم تركني لابتلائاتي أجاريها وحدي. ناجيت ربي كي يؤتيني الحكمة، فلم أجد خيراً من القرآن الكريم كانزاً لها ولم أجد أجلّ من سنة نبيي حافظاً لها، ونظرت فرأيت الكون يغزوه البشر، ولم أرى أغرب ولا أوحش منهم عن أنفسهم وعني، فأدركت أن ما من مفر من ابتداء رسالتي، بدأت بنفسي ولما أعيتني بحثت عن رفيق لي، ولم أكن أعلم أن أصعب من كل طريقي هو إيجاد صديقي، لا أعلم هل يجدر به أن يكون ذكراً أم أنثى، هل تكون أختي أم يكون زوجي، ومن تلك التي ستؤمن أنني لست أهذي إذا ما حلمت، وأن رسالتي هي تنفيذ مراد الله مني وكل البشر مثلي لهم في هذه الحياة رسالة ودور، إذا ما وجدتها فقد وجدت كنزاً عظيماً، ومن ذا الذي سينسى عمري إذا ما حلمت، ويتذكره إذا ما تكلمت، الذي يرافقني في حياتي كذلك الرجل ويكن بطلي، كم هو صعبٌ أن يترك لي مساحةً زائدة عنه وعن بيتي كي أترك فيها أثراً للبشرية، وأن يرضى أن أرضى أن لا أكون في قائمة أولوياته، بل أن تكون رسالته، أن لا يعتبر كل أحلامي وإيماني وكلامي مجرد ثرثرة يسكتها أول طفل أنجبه، وأن لا يعتبر كل مخاوفي من أن أموت قبل أن أجعل العالم مكاناً أفضل للعيش هي حمى تفكير. ولما التجأت إلى الله أدركت أن كل الناس هم رفاق طريق وليسوا الطريق، فنفضت يدي من وجودهم وعدمه، وأيقنت أن بأقدار الله هناك سراً بداخل سر، وأني بخير ما دمت على العهد، وسألت الله رفيق طريق أقاسمه مع رسالتي عمري وأن لا يذهب عني الهم إذا كان همي الآخرة.
 إيناس غوانمه 

المزيد من مشاركات الطلبة

18 Nov

عُدْ يا باحث

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

منهمك بالتركيز على امتحان الغد ناسياً ما مضى أمس، أصوات جامحة، ... اقرأ المزيد