أربعون يوماً

أربعون يوماً

أربعون يوماً من الإرهاق النفسي، لم يكن مرضاً أو مشكلةً بل إعياء جراء مروري بمرحلة المخاض، مخاض تلك النسخة الأفضل مني، لعل أصعب ما في الأمر هو عدم إدراكي بالذي يجري إلا في اللحظات الأخيرة قبل ولادتي الجديدة، طوال الواحد وعشرين ربيعاً ومنذ ولادتي البيولوجية هيأ الله لي ما يوصلني إلى مرحلة الولادة الجديدة، دائماً ما كنت أؤمن أن وجودي في هذه الحياة كان لغاية ما لا تتعلق بي وحدي، على الرغم من أن جل الأصوات حولي تنادي بعدم جدوى ما أفعل أو أفكر به، إلا أن صوتاً داخلياً حجب كل تلك الأصوات ودفعني لتقديم المزيد، طوال العقدين المنصرمين من حياتي أصعب ما كنت أعانيه والذي لم يكن يشعر به أحد بسبب هدوئي الخارجي، هو تلك الأفكار التي تتعلق بكل شيء ولا تنفك عني تخبطاً وسكوناً، صعوداً وهبوطاً، وتحليلاً وتدقيقاً وإصابةً وتأثيراً في دماغي وجسدي، لطالما تمنيت لو أنني أقل تفكيراً أو أقل ذكاءً أو أقل أحلاماً، ربما كانت حياتي أبسط ولربما كان لدي طفل الآن، أو كانت أحلامي الجميلة على وشك أن تتحقق لأنني في سن زواج، ربما كان الاستقرار لدي قريب وكان اختيار شريك عمري أسهل بكثير من خوض امتحان التوفل قبل مرحلة الماجستير. 

وقد تعلمت من تلك الأربعين :
-أن السعادة لا تحتاج إلى معجزات كي تحدث فهي وليدة أكثر الأمور بساطة.

-ليس هناك أكثر براعة في اقتحام ساعات العزلة من الأطفال، إصرار يد طفلة على التمسك بإبهام يدي ونطق كلمات غير مفهومة ترجمتها عيناها ففهمتها كانت كافية لإجباري على تغيير وجهة مقعدي من الإعراض عن الحياة إلى الإقبال عليها.

-تعلمت أن لكل ملكة فيّ حق عليّ، لعقلي حق أن أعلمه وأن أضعه ضمن منهاج يصلح ميزانه، ولقلبي حق أن أسعده وأحفظه مما يفسد إيمانه ومما يجرح شعوره، ولجسدي حق أن أحفظه إذا أكلت وإذا لبست وإذا نمت، ولنفسي حق أن أرتقي بجوانبها وأن أوصلها لمقامها واحترامها التي تستحق وأن أحفظ سلامتها وصحتها، ولروحي حق علي أن لا أقطع صلتها بالله وأن أحصنها دوماً.

-أن لكل شخص مر في حياتي درس علمني إياه، قد يصيب فيه الظن او يخيب، وقد تطول أو تقصر فترة مكوثه في حياتي أو تدوم، ومهما تنوعت طبيعة ذلك الرابط الذي تعاملنا بمقتضاه، المهم أن لا أخسر احترامي ولا احترامه، وأن يلازم الخلق تفرقنا كما اجتماعنا.

-أن أحترم ذاتي وأحبها وأرضى بها، لما فعلت ذلك بدأت نقاط القوة تزداد لدي ونقاط الضعف تتحول تدريجياً لنقاط قوة.

- أن لا أخجل من لحظات الألم والضعف، وإذا رأيت نفسي بحاجة البكاء أن لا أقمع رغبتها، والأشخاص الذين منحتهم الود بالأمس دونما مقابل، جاؤوا في لحظات ألمي بجانبي دون توسلي لأحد منهم، فأدركت أن الود الذي نزرعه نحصده ورداً يخفف معاناتنا وقت الجراح.

-التفكير الذي تمنيت لو أنه كان ساذجاً، أصبحت أراه كهبةٍ مميزةٍ من الله، لأن به قد عرفت الله، وقد رُزقت به عمقاً أمكنني أن أتفهم مجريات حياتي والأقدار، وأن أتفهم تصرفات من هم حولي فألتمس لهم الأعذار، وبه أصابني نضج اختصر لي أميالاً من التجارب الفاشلة والتي تكاد أن تستهلكني كلي، ولولاه لما كتبت وما استطعت أن أترجم مكنونات قلبي، أو أن أتقمص مشاعر غيري فأفهمها ثم أكتب عنها، وبه مكنني الله أن أصنع لذاتي كياناً لا يشبه احداً ولا يشبهه أحد، فإذا كان التفكير داء كما كنت أخال، فإن الكتابة هي الدواء، وهي القرطاس الذي ننقل به لغيرنا تجاربنا.

-لما رأيت قريناتي بفساتين الزفاف، أصابني نوع من الرهبة كما لو كنت مكانهن، وقلت في نفسي هل أملك أنا وهن ذلك العلم والنضج الكافي لندرك أن فستان الزفاف سيصبح ورقاً يكتب عليه الأزواج قصتهم؟ ومداده سيكون سواد الليل وأحداثه ترجمة لمدى توافقهما؟ وتساءلت هل كل الزيجات الفاشلة وغير الفاشلة كانت تعي ذلك حقاً؟

   طوال هذه الأربعين كان لي حلم هو من سرّع ولادتي الجديدة، أوضح لي كم أنني قوية ومتماسكة، يبدو صعباً لأن طبيعته لا تتلائم مع أخذ أسباب الأرض، كل ما به سامٍ وقد استولى على أمنياتي لأنه طاهر، هو أكبر ابتلاءاتي لذلك عندما أردته طلبته من الله، ولما سعيت إليه كان الدعاء وسيلتي، وكان الخلق في طلبه وتمنيه رفيقي، أنا أعلم أن النهاية ستكون سعيدة، إن وصلت إليه أم لم أصل، أنا أعلم أن الله الذي سمع تحاوري مع نفسي عليه، لم ولن يتركني وسيجيب بأحسن الحسنيين لنداءاتي وطلبي إليه ..فالحمد لك يا الله على كل ما أسلفت، وها أنا اليوم دخلت طوراً آخراً في الحياة ، فكن عوني يا الله.

إيناس غوانمه

المزيد من مشاركات الطلبة

10 Dec

عربيةٌ حرة

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  سلاماً يا عم، سلامًا على هذه الروح الطيبة فيك، التي تطيّب... اقرأ المزيد

9 Dec

القدسُ لله

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

"سيكون من الحماقة أن نفترض أن تكرار نفس الخطوات سيقود إلى نت... اقرأ المزيد

9 Dec

ثمّ تغيبّ أنت

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  تسحبُ العالمَ مِن تحتي، تهوي بمزاجي إلى الدّرك الأسفلِ من... اقرأ المزيد