وِقْفة عِفّة

وِقْفة عِفّة

أول خطوة في طريق عفّة قلب الفتاة هي أن تتعلّق بالله وأن لا تترك فراغًا بقلبها، ثم أن تقدر الفتاة نفسها حق قدرها، أن تعرف قيمتها، القيمة التي منحها إياها دينها، وأن تعرف مواطن قوتها وتنميها وتعرف مواطن ضعفها وتحاول أن تقللها وتلغيها، بعبارة أخرى "تزكّي نفسها".
 
وأما عن الخطوة الثانية، ألا وهي إلتزامها بحجابها الشرعي بمواصفاته الشرعية التي ترضي الله عز و جل، "لا نقاش في قضية عقائدية".
 
وأنا كفتاة قدرت نفسي حق قدرها وعرفت أنني كون بذاته وكاملة مع حاجتي الغير متجاوزة الحد الطبيعي للآخر وملتزمة بحجابي الشرعي ولكنني ذهبت لبيئة مختلطة؛ هل ذلك وحده كافي ليعفّني؟ ليس بالضرورة.
 
إذاً هناك أمر آخر علي أن أتعلّمه وهي الخطوة الثالثة، وهي كيف أتعامل مع الاختلاط وما هي حدود تعاملي مع الجنس الآخر.
 
قال عزّ و جلّ "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ"
 
قصص الأنبياء فيها عِبَر، وعندما نتأمل شخصيات الأنبياء نجد أن سيدنا موسى عليه السلام من أكثر شخصيات الأنبياء قرباً على الشخصية البشرية، هل من الممكن أن نجد أحدًا صبر كصبر أيوب؟ أو من دعا قومه 950 عاماً كسيدنا نوح؟ لا، فسيدنا موسى كان متقلّباً كحال البشر.
 
طيب أين العبرة؟
 
العبرة أن سيدنا موسى في يوم من الأيام وبعد ما قتل نفس من شيعته دونما قصد وهرب من بني إسرائيل حتى لا يُقتل ذهب إلى مدين، وأول ما وصل ماء مدين رأى فتاتين جالستين ينتظرن الرجال حتى ينتهوا سقاية ليسقوا ماشيتهم، لنتأمل الآيات معاً.
 
قال تعال في سورة القصص:
 
(وَلمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ۖ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ ۖ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ۚ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27))
 
قبل أن نناقش الموقف دعونا نتأمل حال الفتاتين؛ لم يزاحموا الرجال في سقاية الأغنام رغم أن فرصة اختلاطهم بالرجال قليلة "هن يسقين بمجرى ماء مما يعني أن احتمال تزاحمهم بالرجال في ظل وجود الماشية يكاد يكون غير موجود" إنه الحياء، وهذا يعني أن مزاحمتك للرجال للصعود الحافلة خطأ، وغيرها من المواقف التي تمس حيائك.
 
عندما رأى سيدنا موسى عليه السلام الفتاتين ذهب وسألهما ما بهما دون أن يسلّم عليهم حتى ولم يستغل حاجتهم للمساعدة وتجاوز معهما بالحديث، كان سؤالاً واضحاً (قَالَ: مَا خَطْبُكُمَا؟) نقطة انتهى.
 
الآن الفتاتين أيضاً ردتا بجملة مفيدة بدون إسهاب أو خضوع بالقول (قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) جملة اختصرت إجابة هذا السؤال وسؤال يليه وهو "ما سبب أنكن من يسقي؟ أو بمعنى آخر لم لا يسقي رجالكم لكم؟ " وأيضاً لم يحدث أي تجاوز أو "أخذ وعطا" بمفهومنا العاميّ.
 
ومن هنا نرى أن الإسلام لم يمنعنا من الحديث مع الجنس الآخر؛ لا كان منغلق حد التطرف ولا منفتح حد الفساد، وإنما كان هناك حديث؛ ولكنه كان فقط وقت الحاجة وعند الحاجة وعلى قدر الحاجة لقطع الألفة التي سنتحدث عن تبعاتها لاحقاً.
 
الآن مروءة سيدنا موسى دفعته أن يأخذ ماشيتهم فيسقيهم، حتى لم ينتظر منهم شكرًا، (فَسَقى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ) تولى يعني أنه أنهى مهمته ولم يعقّب أو استمر بالوقوف طلب للشكر ولم يستغل ذلك الفعل لقول ما لا يمت للموضوع بصلة، تولّى.
 
وهنا ينبع الفرق بين الشاب الذي يفعل الخير مروءة منه بنية خالصة لله وبين الشاب ذي النية السيئة بأن يستغل حاجة الفتاة للمساعدة فيتجاوز معها بالحديث أو يطلب رقمها مثلاً، ولن يجد قليل تقوى ورجولة تردعه.
 
لنتأمل الآن الموقف الأجمل في كل الحدث، موقف يضمّ كل الجمال!
 
(فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا)
 
إيييه، استحياء!
 
لم يقال حياء وأنما استحياء؛ أي أكثر من الحياء بكثير، حياء يشمل لباسها ومشيتها وصوتها ونظرها وكل شيء.
 
أخبرته بطلب أبيها وغادرت، لم تشكره أو تستغل الموقف مثلاً لتعبر عن امتنانها لرجولته وكم هو "جنتل"، نقلت الرسالة كاملة وهي في شدة حيائها.
 
الآن وبعد أن قصّ سيدنا موسى القصة على صالح مدين وأخبره بأن لا يخف قالت إحدى الفتاتين لوالدها (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) قالتها دون خضوع، دون اضطراب، قالتها بكل ثقة ولم تتلعثم ولم تخف في أن تتهم أو يساء الظن بها فهي تعلم أن سريرتها نقية وأنها بريئة النفس نظيفة الحِسّ.
ولو أن فتاة شكّت بنيتها "نيتها كانت تشوبها شائبة" من قول ما ،لن تحكيه.
 
وآخر جزئية بالآيات يطلب فيها الرجل الصالح من سيدنا موسى الزواج بإحدى ابنتيه، يعني ليس عيباً أو حراماً أو جرماً أن يطلب الرجل شخصاً صالحاً ارتضى دينه وخلقه ليزوجه لابنته أو أخته أو قريبته ولكن في مجتمعنا يصبح هذا الأمر عيباً ويظهر خجله.
 
رولا عبد الله

المزيد من مشاركات الطلبة

18 Dec

عتبة المحكمة

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

خاطرة .. إن دست يوماً عتبة محكمتي فاجلب معك أفضل محامٍ وقف كال... اقرأ المزيد

18 Dec

2018

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

أيام قليلة وسنودع عاماً مضى بجميع لحظاته الحزينة والس... اقرأ المزيد

10 Dec

عربيةٌ حرة

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  سلاماً يا عم، سلامًا على هذه الروح الطيبة فيك، التي تطيّب... اقرأ المزيد