عندما يمتزج العمق بالعشق

عندما يمتزج العمق بالعشق


   
وإنني ما ندمت يوماً أنني لربي أمري سلمت، وثقت باختياره وتذوقت حلاوة قدره لأنه منه، أليس الله بالحبيب الأعظم، وكل شيء من الحبيب حبيب.

في تلك الليلة التي استخرت الله فيها لدخول مملكتي الجديدة، قد رأيت في نومي أنني أركب باص الحج وقد وصلت، ولما استيقظت علمت أن هذا هو قدري الجميل الذي به رضيت، وما وهنت يوما لاختياره وما ندمت، كنت أصلي العصر لما سمعت المكالمة التي أخبرتني عن وجهتي القادمة، "جامعة العلوم والتكنولوجيا، العلوم الطبية المخبرية" كان أجل ما في الأمر أنني كنت بين يدي الله عندما سمعت، ولما سجدت كان سبحانه أول من أخبرته بفرحتي وحمدته على عظيم فضله.
استجمعت ملكاتي كي أتخذ القرار الصعب، وقد سألت قلبي، فلقد علمت أن للقلب ذوقاً خاصاً لا يخيب في اختياراتنا، خصوصا للمراحل الكبيرة، فللقلب عين ثالثة لا تكذب وحدساً لا يستهان به، وإن أردت أن أفضي ما أخبرنيه قلبي فإنه قال أنني أمام تخصص إنساني كما حلمت، أقرب للطب الذي طالما الله به دعوت، وقد اختار الله لي الأفضل، صوتي الداخلي قد تناغم معه ورآه أقرب لشخصيتي ولاتساقي، ولحبي واهتمامي للعمق والتفاصيل وفضولي تجاه الأشياء الدقيقة الخفية، ولضرورات التوازن استنطقت عقلي وقد قال لي أن هذا التخصص هو حجر الزاوية للطب وأنه علم أصيل وواسع الأفق، ولأنني أعيش في واقع يتطفل على ممالكي الخاصة كي أضعه في الحسبان، أوضح لي أن العائد المادي للمهنة لا يقارن مع طبيعته المرهقة والخطرة، ولا يوجد للعاملين فيه نقابة تدافع عن حقوقهم، وينافسهم على العمل به أبناء تخصصات أخرى لا تدرك تشعباته وعمقه كأبناءه، أما عن الاعتبارات الأخرى كالمكانة الاجتماعية التي غدت في الآونة الأخيرة على سلم أولويات اختياراتنا، فقد كانت مكانته لا بأس بها، إلا أنه فقد جانبا مهماً بها، وهو "اللقب"، فلا أدري متى تبوأ تلك الأهمية له، لكن ذلك غدا واقعاً!! 

كان علي أن أختار مجدداً، وما أسلمتني إليه ملكاتي هو أن العمل الذي أبتغي فيه عائده المادي دون رسالته الإنسانية، فقد فقدت فيه رسالتي، وأن العمل الذي أنظر فيه للبهرجات الاجتماعية التي ما أنزل الله بها من سلطان، على ميولي الشخصي أكن فيه قد قمعت شغفي، فكنت بين أن أضع نفسي في قوالب جاهزة وضعتها الاعتبارات المادية والمظاهر الاجتماعية أو أن أتمرد وأعش نفسي، وقد تمردت، والحمد لله أنني تمردت، فلقد أدركت أن أي عمل في الحياة لا يملك أن يعطي قيمة للشخص، بل أي شخص في الحياة هو الذي يعطي القيمة للعمل الذي يقوم به، وفي العشرين من أيلول عام أربعة عشر بعد الألفين، عندما استلمت الهوية الجامعية كنت أحب تخصصي، أما اليوم فوالله أنا أحبه ألفاً. 

في مملكتي الذاتية التي اتسع حجمها للكون وضاقت أن تتسع للمحبطين، كانت الكلمات تترامى هنا وهناك على مسمعي، ولم أكن لأجد جواباً على سؤالي، بأي حق ينفث بعضنا دخان تشائمه الأسود ليعكر صفو الممالك الأخرى؟ وفي الزمان الذي اختلط فيه كل شيء لا أعرف كيف اختلطت قيمة العلم مع مفاهيم المال، ومغزى الرسالة الإنسانية مع أسماء سميناها، بعد ما ينوف على الثلاث سنوات، بدأت أشعر أن ساعة الفراق قد اقتربت، بدأت بالحب وستنتهي كذلك، وقد علمني جلد العشق كيف ينبت الأمل من مواطن الألم، فما الضير إن كان للعشق جلاد؟ أنظر لتفاصيل المختبرات بصمت علني أرتوي منها، أتأمل الناس الحقيقيون الذين أهدتني إياهم لأنني أخشى أن لا أقابل مثلهم مرة أخرى في حياتي، أنظر لكل ما فيها نظرة محب قد اجتاحه قرب البين، أحاول أن أرتع في مملكتي التي اخترت حيث الجمال كل الجمال، وحيث الطيبون فيها كثيرون، كثيرون جداً، إلى عالم المختبرات الذي أحب أنا أقر بفضل وجمال كل جزئية فيك، أنا أقر بروعة كل عمق امتزج بالعشق فيك، ولترقَ يا سامياً بتجرد وليذهب كل ما دون سمو هدفك ورسالتك الإنسانية إلى اللامكان.

إيناس غوانمه

المزيد من مشاركات الطلبة

10 Dec

عربيةٌ حرة

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  سلاماً يا عم، سلامًا على هذه الروح الطيبة فيك، التي تطيّب... اقرأ المزيد

9 Dec

القدسُ لله

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

"سيكون من الحماقة أن نفترض أن تكرار نفس الخطوات سيقود إلى نت... اقرأ المزيد

9 Dec

ثمّ تغيبّ أنت

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  تسحبُ العالمَ مِن تحتي، تهوي بمزاجي إلى الدّرك الأسفلِ من... اقرأ المزيد