عالمكَ الصغير

عالمكَ الصغير

 

استدعتني عيناك الدافئتان للدخول إلى عالمك الصغير، الذي لا يتسع إلا للقلوب الكبيرة، وحشرجات الصدر والنفوس الخيرة، لا يملؤه هواءٌ سوى هواء المحبة، أكسجينه الصدق وهيدروجينه الخير وثاني أكسيده زفرات الهموم، وفضاؤه صوت الفطرة وغناؤه ضحكات رواده.
قل لي بربك أيها الكائن الصغير، أي حظ ذاك الذي حباني الله به إذ استطعت أن أقرأ كل تلك المعاني من عينيك الجميلتين، فلقد علمتُ أن بعض البشر قد فقدوا الطريق إلى عمقك وعالمك، بلا رجعة!! 

يقولون أن عالمك الصغير ساذج وبسيط، لا يعرفون أنك أستاذ في أبجدية الفطرة، أن نظراتك البريئة تفهم كل شيء، حتى لو استعصى عليها فهم الأسباب، لأن إدراكها لا يهبط إلى مستوى الأنفس البالية، لا يعرفون أنك مستمع كريم لما يشعرون وإن كنت صامتاً، فأنت طبيب حكيم لما يعانون، بلا كلمات ولا شهادات، بقليل من النظرات غير المتكلفة والابتسامات غير المصطنعة أنت تعي تماماً، كيف تزيل اختناقات القلب، فأنت لا تدري يا صغيري بينما أنا أناظر عيناك، أي حزن قد سقط من قلبي.

الحمد لله أن الله قد ألقى عليك محبة منه، كي تملك قلبي، بدل أن يغتاله من لا يرحمه، الحمد لله، أنه خلق بجسدك الصغير كل ذلك الدفء الذي يستطيع أن يزيل البرد عن مساحات كبيرة، كحجم الحياة.. بلا إحراق!! 

بينما أنا في الحياة المختلطة، مررت بك، ولما رأيتك، قد سقطت السماء على قلبي لما رأيت الألم يملأ عينيك والحزن يحيط بك، كصورة لأكبر ابتلاءات الحياة.. يا صغيري، أنا أعتذر، أعتذر لأنني أنتمي إلى العالم الذي لم يستطع أن يحمي سعادتك، وأن يوافق ما يليق بطفولتك، أعتذر لأنني لا أستطيع أن أزيل الألم عن قلبك، مع كل ذلك الحزن الذي أزلته عن قلبي، لم أستطع أن أرد الجميل.

أتحدث إليك وأنت واحد منهم وكأنك سفير لأولئك الذين يفوقون في أعدادهم أوراق الزهور، وأنا أعتذر منكم جميعاً لأنني أنتمي إلى العالم الذي لم يحفظ حق الزهور، ولكن لعل محبتي الكبيرة لكم تسعف ما عجزت عنه اعتذاراتي، لعل سعيي كي لا أكون من الزمرة التي لم تحفظ حقوقكم والتي تسعى لتخفيف ألمكم كان لي عذراً، ولعل مقدرتي أن أرسم البسمة على وجوه من استطعت منكم كان لي بمثابة العزاء. 

إلى ذلك الطفل الذي قد ألهمتني ذكراه لأكتب هذه الكلمات، و لا أدري أي قدر قد ساقني لألتقيه، وما عرفت اسمه والذي تفضل علي أن أقبله، وقد أجبرني الألم أن أخرج من غرفته سراعاً قبل أن أجد الطريق الذي سألتقيه به مرة أخرى كي أطمئن على صحة جسده الذي أهدته الحياة ثقباً في القلب، وكأنها سربت من خلاله كل هذا القدر من روعة العمق والصدق، أنا أحبك، بعد ثلاث سنوات مضت، نسيت فيها أشياء كثيرة واستعصيت أنت على النسيان، شكراً للكمية غير المحدودة من ألوان الحياة التي أهديتني إياها بابتسامتك، شكراً لأضعاف العمر التي أهدتني إياها الدقائق في حضرتك، قد فقدت الطريقة للرجوع إلى حضرة جسدك مرة أخرى لكنني وجدت طريقي إلى قلبك، وإني أدعو الله أن تكون الحياة النابضة بالسعادة والخير ما زالت تتدفق في قلبك وجسدك.. يا صغيري، أنا أحبك.

إيناس غوانمة

المزيد من مشاركات الطلبة

10 Dec

عربيةٌ حرة

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  سلاماً يا عم، سلامًا على هذه الروح الطيبة فيك، التي تطيّب... اقرأ المزيد

9 Dec

القدسُ لله

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

"سيكون من الحماقة أن نفترض أن تكرار نفس الخطوات سيقود إلى نت... اقرأ المزيد

9 Dec

ثمّ تغيبّ أنت

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  تسحبُ العالمَ مِن تحتي، تهوي بمزاجي إلى الدّرك الأسفلِ من... اقرأ المزيد