القدسُ لله

القدسُ لله

"سيكون من الحماقة أن نفترض أن تكرار نفس الخطوات سيقود إلى نتائج مختلفة. لذا فقد قررت أن الوقت قد حان للاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل".
بهذه الكلمات المليئة بالحقد والكراهية والعنصرية استهل الرئيس الأمريكي الخامس والأربعون دونالد ترامب خطابه والذي خصصه بالكامل للحديث عن الكيان المحتل وعاصمته المزعومة، تلك الكلمات التي صاغها للإعلان عن اعترافه (واعتراف الولايات المتحدة بالتبعية) بالقدس عاصمةً لإسرائيل بعد عقود من استيلاء الأخيرة على المدينة المقدسة ومن قبلها أرض فلسطين كاملة. يأتي هذا قبل يومين فقط من الذكرى المئوية لسقوط القدس في أيدي القوات الإنجليزية وانتهاء الحكم الإسلامي العثماني للمدينة والذي دام أربعة قرون، يأتي هذا ليضيف وجعاً إضافيا وجرحاً غائراً لآلام متراكمة وخيبات أمل متتالية على مدار العقود المنصرمة.
شتانَ بين ما حدث في صَفر عام 16 هجرية وبين ما حدث في نفس الشهر عام 1336 هجرية، شتان بين مشهد استسلام البطريرك صفرونيوس وتسليمه المدينة للفاروق عمر بن الخطاب، وبين مشهد ترحيب وجهاء المدينة بالجنرال البريطاني إدموند ألنبي واحتلاله المدينة التي لم تعد إلى الحكم الإسلامي إلى يوم الناس هذا. ألف وثلاثمائة وعشرون عاما هي عمر رحلة هذه المدينة المقدسة التي لا ذنب لها سوى أنها جميلةٌ كيوسف و خانها المسلمون كإخوته، و هي أول مدينة اتجهت إليها أنظار صحابة رسول الله -عليه الصلاة والسلام- في صلاتهم، مدينة القدس الشريفة.
وبينما أعطى عمر - رضي الله عنه - عهداً لأهل المدينة حين خطب فيهم قائلا: "يا أهل إيلياء، لكم ما لنا وعليكم ما علينا" مؤكداً على بداية عهد جديد من التسامح والتعايش بين المسلمين ومعتنقي الديانات الأخرى، المسيحية واليهودية، فقد أعلن إدموند ألنبي يوم سقوط المدينة أن الحروب الصليبية قد انتهت كناية عن نهاية عصر الإسلام في القدس. و في اليوم الذي رفع فيه المسلمون راية العز والمجد يوم دخولهم المدينة، كان يوم الفقد أليما وموجعاً ومخزياً، يومٌ استطاعت فيه جيوش بريطانيا أن تدحر العثمانيين بعد أن أطاحت بهم من الحجاز والشام وسيناء بمساعدة العرب أنفسهم ظنا منهم بأن يوم التتويج سيأتي حتما، وبأن تاج الخلافة سيزين جبهة أحدهم، فما كان إلا أن خسروا الشام وسيناء وأضاعوا القدس إلى يوم الناس هذا..
لم يكن التاسع من ديسمبر عام 1917 - الموافق للرابع والعشرين من صفر عام 1336 هو يوم السقوط الأول للقدس و لم يكن أعنفها، لم يكن أسوأ من فقدان المدينة الشريفة عام 1099 على يد الحملة الصليبية الأولى التي أبادت سكان المدينة المسلمين، ولم يكن بأكثر خزيا من تسليمها دون معارك عام 1229 على يد الملك الكامل، لم يكن حتى هو السقوط الأخير الذي حل بالمدينة بعد أن وقعت القدس بعدها في أيدي الصهاينة كأحد غنائم نكبة يونيو 1967، لكن سقوط المدينة في التاسع من ديسمبر بالتأكيد كان الأكثر حسرةً و إيلاماً؛ هذا اليوم الذي تمزق فيه العِقد، يومها خرجت القدس من تحت عباءة الدولة الإسلامية... خرجت ولم تعد إلى يوم الناس هذا.
وعد بلفور 1917 أهداهم فلسطين.
وعد ترامب 2017 أهداهم القدس؟
لكن "وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ..".
لسنا بحاجة لتغيير الصور والمنشورات والاتفاق عليها بشكل موحد، هم لا ينتظرون ذلك، إنما نحن بحاجة لتغيير آرائنا وضمائرنا وما نحن عليه من ضعف، نحن بحاجة إلى قوة ملؤوها السموات والأرض.
 
حنين العمري
 
 

المزيد من مشاركات الطلبة

16 Apr

حَشْرَجَة علقتْ

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

 لثغرِ بوابة السماء، تُحَدِّثُ أخبارها! يا الله، بانَ ال... اقرأ المزيد

13 Apr

Tasneem Alhomsi in Erasmus_plus

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

نشارك معكم اليوم تجربة الطالبة Tasneem Alhomsi والتي تدرس حالياً في جا... اقرأ المزيد

13 Apr

النخاع المعجز

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

كالصخر الذي تتفجر منه الأنهار، نسيج اسفنجي بداخل العظام، فيه ... اقرأ المزيد