عربيةٌ حرة

عربيةٌ حرة

 

سلاماً يا عم، سلامًا على هذه الروح الطيبة فيك، التي تطيّبت من كثرة الصلاة وذكر الله، وفي كل لحظة يدخل إليها هواء أرض الأنبياء، وتأكل زيتونًا روته دماء الشهداء، سلاماً على صِبغتك الحسنة كصِبغة أهلك الطيبين، على كوفيتك البيضاء الدافئة كفلسطين، على تجاعيد وجهك التي حفرتها السنين والحنين، وغدرها الخائنين، على الثمانين من عمرك التي عشقت القدس كلها وما انطفئ ذلك العشق، وعلى قضيتك العادلة التي أصبحت مكانتها منك كمكانتك منك، حتى صارت هي ذاتك وأصبحت أنت الدخيل على نفسك.

دموعك التي هطلت لم تسقط على خدك، بل على قلبي كأنها حمم بركان، فقد ضاعت الأوطان، ضاع منا الإيمان والأمان وكل شيء! بينما نحن في سبات أخذوا منا القدس بغتة، وكلما أفقنا هنيهةً عزفوا لنا ألحان الشيطان، فتجذبنا إلى القاع ضمائرنا الغائبة كمخدر، حتى جاء اليوم الذي اعتزل فيه الشيطان؛ لأن القوم الذي يكثر فيه الجاهلون، والنائمون، والخائنون، ويضيع فيه الصادقون، المؤمنون، ينل منه الشيطان، لم يعد أعداؤنا بحاجة إلى قوة كي يجعلونا فيها نغيب ونضعف، فأصبحوا يتجرؤون، يدخلون بيوتنا ويأخذون خيرها ولا يخافون، يضعون الحد لأحلامنا  يظهرون عوراتنا ولا يخجلون، ثم يضعون أيديهم المدنسة على مقدساتنا الطاهرة ولا يُمنعون، حتى أخذوا منا القدس جهارًا بلا أدنى هيبة منا، فقد فقدنا الهيبة عندما سقطنا عن الإسلام الذي رفعنا، فسقط عنا كل غالٍ وتناثرنا أجزاءً، فاجتاحنا البأس بيننا، أصبحنا كقنابل مسلسلة لا نفجر إلا أوطاننا، كلما انفصل منا جزء انفجر أكثر، حتى أصبح التجزؤ سمة عُرفنا بها، كنا عربًا، صرنا أقاليمًا ثم دولا،ً ودويلات، ثم ويلات تتبعها ويلات، فأصبحنا غرباء في أوطاننا، وفي بيوتنا وفي أنفسنا، حتى فقدنا سكينتنا، وفقدنا الأمان فكثر الهرج، وأصبحت وسائدنا كاللحد لأحلامنا، عندما لم تعد سعادة العالم كافية كي ننام بعمق، فبين طمأنينتنا وأنفسنا هناك فجوة لا تمتلئ إذا ما ملأها الإيمان، وقد حاول جلنا أن يملأها بكل شيء سوى الإيمان فسقط وكم سقط منا وكم سقطنا، عندما استسلمنا لتلك الحدود التي وضعتها أيدي الشؤم فرسمت خريطة العالم الجديد بيد من فتنةٍ وحديد، ويدٍ أخرى تتجرع كأسًا كان نخبه إبادتنا وقتل الإسلام فينا، ولكن هيهات!

كيف لا نأمل وأعداؤنا لا يقوون على الوقوف في وجه إرادة الله، هم يسيرون فقط وفق مشيئة الله بأن يكونوا ابتلاءً، علنا نرجع ونتمسك بالعروة الوثقى، برغم مكرهم وكل كيدهم الذي أحرق فينا نار الغضا، إنهم قوم لا يعقلون! لا يعلمون أننا وإن وهنا فالله معنا، وإن غبنا فعدل الله لا يغيب. فينا شيء راكد لو تحرك لعصف بهم من جذورهم، من رمادنا تولد حياة عندما يأتي أمر الله تشرئب خضراء منيعة بين كاف ونون، يريدون أن يطفئوا نور الله والله متم نوره، أنت تبك يا عم لأنك فعلت كل ما تطيق كي لا تهود القدس وقد غدر بك الطغيان، لا تبك يا عم، زرع الله بقلوبنا حياة قلبك، علنا بكينا على الملك الذي اضعناه، وحدنا جديرين بالبكاء إذا استبدلنا الله لأننا توانينا، إذا سألنا ماذا فعلنا للقدس وأضعنا الإجابة، إذا نطقنا لا إله إلا الله ثم خشينا غيره، أو عميت بصائرنا ولم نعتقد أن الله أكبر، إذا صدقنا أن بإمكانهم جعل القدس لهم، أقبل يديك التي أمسكت في يمينها المسبحة وفي شمالها دفعت صهيوني كي تصلي الفجر في الأقصى، وأطلب منك أن تدعوا حيث البركة فيك ولديك، بأن يستعملنا الله، أما القدس، فهي عربية حرة يا عم، القدس عربية.

إيناس غوانمة

المزيد من مشاركات الطلبة

16 Apr

حَشْرَجَة علقتْ

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

 لثغرِ بوابة السماء، تُحَدِّثُ أخبارها! يا الله، بانَ ال... اقرأ المزيد

13 Apr

Tasneem Alhomsi in Erasmus_plus

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

نشارك معكم اليوم تجربة الطالبة Tasneem Alhomsi والتي تدرس حالياً في جا... اقرأ المزيد

13 Apr

النخاع المعجز

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

كالصخر الذي تتفجر منه الأنهار، نسيج اسفنجي بداخل العظام، فيه ... اقرأ المزيد