سلام

سلام

فقدان السلام لا يستلزم آلات الحرب، والجرح أسهل من أن تفتعله رصاصة، وليس من الضروري أن يحدث الفقد بالغياب، والبرد لا يعني انطفاء النار، والنار لا تساوي الاحتراق، والهواء ليس الوسط الذي يذوب به إيقاع الكلمة، والتلامس يحمل معانٍ غير الفيزياء، والنظرات الثابتة تخفي اعترافات فظيعة، والقلب يتسع للكون، فإذا ما اعتراه ألم ناحية واستوقفه كبريائه من الناحية الأخرى، ضاق اتساعه متردداً على أطراف جفنه السفلي، فكان دمعه نتاج جرحه كالصديد.
نبحث عن السلام في كل شيء إلا أنفسنا، فلا نجده ولا يجدنا، عذلنا الحياة والزمن وسكان الأرض ونسينا أن الحياة منحتنا مرآة اسمها الوعي لم نوجهها لأنفسنا، عندما آثرنا أن نتخلى عن شعورنا، أو ننتقي الشعور الذي يناسب ارتفاع أسهمنا، فحكمتنا الرياضيات والإحصاءات والميكانيكا، كالآلات التي تحيط بنا، حتى أصبحنا مثلها لا نسير وفق إرادتنا الخاصة، وأعضاءنا تسير بمحض دفع الآلات بعضها لبعض، لا وفق الحياة والتعايش.
نحن نفقد السلام، وهو لا يكون إلا في داخلنا، لأن العالم أثبت فشله في التراجع عن قبحه، ولو أننا بحثنا عن السلام لوجدناه، لو أننا تأملنا بصدق في أعماقنا لرأيناه، لكننا وضعنا اللوم على الصواريخ والمدافع، ونسينا أن من يقود الآلات الحرب إنسان، فقد السلام، ولو أننا اقتبسنا من الأرقام عدلاً، ولو ادعاءً، فراجعنا الحسابات ووجدنا فقيدنا مقيد بعيد مهمل، أضعف من أن يعترينا.
لو أننا حاولنا إيجاد العدل الذي اشتركنا مع العالم في الادعاء على أننا ضحايا فقده، لتذكر بعضنا أنه أخذ من قائد الصواريخ اقتباساً، عندما افتعل الجرح لغيره والذي قد لا يكفي أي دواء لمحو آثاره، ولتذكر بعضنا ذلك العشم الذي وضعه به غيره وعلق عليه جميع حياته ثم خذله فأصبح مفقوداً وهو حاضر يشبه الغياب بطعم كأقسى الفقد، لعلم ما الذي كان يحل بذلك الشخص الذي خطر بباله وقد كان يشكو البرد والصيف حار، ولتفهم بعضنا الآخر ما الذي كان يقصده ذلك المعروف لديه المجهول لدينا حينما كان يبتسم في قمة ألمه لأنه رآه، لم يكن يكذب عندما قال أنه شفي فقد شفاه ترياق الوصل، فأمراض الجسد لا تجاري أمراض القلب السقيم، وعلاج الجسد لا يداني في صعوبته علاج ما خفي من أعماق القلب والفؤاد، لو أن بعضنا حاول الرجوع بتسجيل صوته الذي يتكلم ولا يلق باله، لعاد سماع صوته عندما نطق تلك الكلمات ولأدرك أنها لم تذب في الهواء، بل ذابت في فؤاد الشخص المعني بها، فكان ذوبانها بناءً على ماهيتها سماً أو دواءً، لو أن أحدنا تذكر يده التي لامست بحنو أو أوجعت بجفاء أنها لا تلامس أدمة الجلد فقط، بل يصل إحساسها إلى مركز الشعور، لتفتح له آفاق الحياة أو تؤصد عليه أحزان العمر.
ولو قُدِّر لكل منا الآن أن يتأمل عيون أول شخص يجده أمامه، لقرأ مجلداً به ألف عنوان يوجز مليون قصة، وسمع شعراً ورأى ألماً ورأى أملاً، وللامس حباً قد كشفته الأحداق الضيقة لا بفعل الضوء، بل بفعل ذلك النور الذي لم تستطع المسافات البعيدة حجبه، النور الذي ساقه الود الذي لا ينطفئ في الظلام ولا يغفو إذا انطبقت الأجفان، لا يغيّب نوره إلا احتراق القلب الذي أشعله غضى الشوق، لاستجمع الانتكاسات واقترافات الأيام.
لو رأى كل واحد منا عمق الآخر لأكتشف عالماً مخفياً في لحم ودم، عالماً به سلام يجعله يتمنى أن يرتع به، أو عالم فقد السلام أشفق عليه لأنه أساء استخدام إنسانيته التي غاب عنها الشعور فتاهت في الغاب، لأنه خسر في ذاته إنساناً كان من الممكن أن يكن رائعاً أو جيداً ينعم بالسلام، لكن يا ترى! كم عمقاً علينا أن نتأمل أو عيناً، حتى ندرك أن اللذين يشاركوننا الحياة على هذه البسيطة بشر؟ لديهم أبعاد لا نعلمها، لديهم قلوب لا ندرك سرها، وكرامة لا يحق لنا أن نخدشها، وحقوق إن تجاوزناها ظلمنا! إنني أتساءل عن ما إذا كانت الدنيا فعلا تستحق أن نساوم على اخرتنا بها، كي تكون نهاية الظلم ظلمات، ظلمات القلب ويوم القيامة.

إيناس غوانمه

المزيد من مشاركات الطلبة

18 Jan

\'حِيرة \'

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

لا أدري مَن أكون؛ ماذا أفعل؛ ماذا أُريد.. جزءاً مني يبحثُ ع... اقرأ المزيد

13 Jan

ارزقنا الحكمة

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  قد قلتها يا ربي صراحةً أن هذه الدنيا ليست المكان الأفضل لل... اقرأ المزيد

13 Jan

بيدكَ الخير

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  إذا قلت أنني تفاءلت هل أكون قد جُننت أو لعلي كذبت  كيف ... اقرأ المزيد