وحدات العناية الحثيثة في المستشفيات: نحو ثقافة مجتمعية واعية

وحدات العناية الحثيثة في المستشفيات: نحو ثقافة مجتمعية واعية


بقلم الدكتور شاهر السمرة 
أستاذ مشارك في كلية الطب - جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية
استشاري الامراض الباطنية والصدرية والعناية الحثيثة
رئيس شعبة العناية الحثيثة في مستشفى الملك المؤسس عبد الله الجامعي

وحدة العناية الحثيثة أو المرَكَّزة هي وحدة مهمة ومتكاملة مخصصة لرعاية المرضى الذين يعانون من حالة مرَضية غاية في الحرج وعدم الاستقرار، وقد يودي هذا بحياة المريض إذا استمرت حالته الصحية في التدهور خارج السيطرة. الأمر الذي يستدعي التدخل الطبي الصحيح والعاجل، بالإضافة الى المراقبة المستمرة ودعم استقرار أجهزة الجسم المهمة لاستمرار الحياة للتأكد من الاستجابة للعلاج بمشيئة الله وتوفيقه.
تتكون وحدة العناية الحثيثة من فريقٍ طبيٍ متكاملٍ برئاسة طبيبٍ متخصصٍ في طب العناية الحثيثة، وطاقم تمريضّي مختار بعناية، مدرَّب ومتميز بقدرته على التعامل مع الحالات الحرجة بكفاءةٍ عاليةٍ، بالإضافة الى فنيي العلاج التنفسي المدرَّبين على التعامل مع أجهزة الإنعاش والتنفس الاصطناعي، ودكتور صيدلي، وأخصائي تغذية، ومختصين في العلاج طبيعي، بالإضافة الى توفر أي تخصص قد يحتاج الفريق للاستعانة به للتعامل مع أي تطور في حالة المريض في أي وقت على مدار الساعة مثل اختصاصيي التخدير، واختصاصيي الكلى وفريق الغسيل الكلوي، واستشاريي القلب والقسطرة، والجهاز الهضمي، وغيرهم من التخصصات الحساسة والهامة التي لا غنى عنها في علاج المريض بروح الفريق الواحد. يكون هذا الفريق متوفراً لمراقبة حالة المريض وتوفير أقصى درجات الرعاية الصحية له، منذ لحظة دخوله إلى الوحدة إلى حين مغادرتها.
وتعتبر وحدة العناية الحثيثة في مستشفى الملك المؤسس عبد الله الجامعي من أكثر وحدات العناية الحثيثة تكاملاً وإشغالاً في المملكة، كما أنها تُعد مرجعاً أساسياً للعديد من مستشفيات شمال المملكة، وقد تعاملت في العام الماضي 2017 مع (4,388) حالة مَرَضية، بنسبة إشغال عالية تصل إلى 100% في كثيرٍ من الأحيان، وبسعة (120) سرير، والتي تشكل ما نسبته (22%) من مجمل أسِرّة المستشفى. لقد حرصت إدارة مستشفى الملك المؤسس على تطوير وتوفير الأجهزة الحديثة وبصفة مستمرة وخاصة للوحدة مثل جهاز سونار ultrasound)) متحرك، وجهاز تصوير أشعة متحرك خاص بالوحدة مرتبط مباشرة مع أجهزة الحاسوب لتوفير الصورة في أقل وقتٍ ممكنٍ للطبيب، ليمَكِّنه من الاطلاع عليها في زمن قياسيٍ بالإضافة الى توفير أفضل المعدات الطبية على أعلى مستويات الجودة العالمية. 
تتنوع الحالات المرضية التي تستدعي دخول المريض إلى وحدات العناية الحثيثة المركزة من حالات الالتهابات الجرثومية المتطورة بأنواعها، إلى العديد من الإصابات والأمراض الحرجة مثل حالات انسداد شرايين القلب والجلطة القلبية، واحتقان القلب وارتواء الرئة، وارتفاع الضغط الحاد، وفشل الجهاز التنفسي، والحوادث الخطرة والطارئة مثل حوادث اصطدام السيارات والحروق، والحرب، وحالات الاختناق، والنزف المعوي، وارتفاع السكر الشديد، والغيبوبة والنزف الدماغي، والجلطة الدماغية الحادة، والأزمات الرئوية الحادة أو الربو، والعديد من الحالات الصحية الحرجة التي تتطلب المراقبة الحثيثة والعناية الطبية القصوى مثل حالات ما بعد عمليات القلب والصدر والجهاز الهضمي الكبرى وجراحات المخ والأعصاب، والتي يتميز بها مستشفى الملك المؤسس الجامعي.
ولطبيعة الحالة الحرجة للمريض فإنه من الطبيعي في مجتمعٍ متعاطفٍ ومتآلفٍ ومتاعضدٍ كمجتمعنا الأردني الوفي، أن نلاحظ كثرة الزوار من الأسرة والأقارب والأصدقاء للمريض، مع وجود بعض الممارسات التي تؤثر وبشكل سلبي على رعاية المريض بسبب تشتيت جهود الفريق الطبي المشرف. يجد بعض الأهل أنً في مرافقة المريض نوعاً من الرفّاهية وتغيير الأجواء، والبعض الآخر ينظر إليها بأنّها ضرورة مُلحَّة واجبة عليهم، ولكن الأغلب لا يدرك الأضرار الناتجة عن مرافقتهم للمريض، ومن أبسطها انتقال العدوى و"الميكروبات" الوبائية. وبسبب طبيعة الحالة المرضية ووجوب المراقبة المستمرة للمريض في وحدة العناية الحثيثة، فإنه في أغلب الأحوال لا توجد حاجة لمرافقٍ للمريض، بالإضافة الى أنَّ تواجُدَ المريض مع الزوار واختلاط زائري المرضى المتجاورين بعضهم ببعض يؤدي في أحيانٍ كثيرة الى انتقال العدوى من الزوار للمرضى أو انتقالها بين المرضى في نفس وحدة العناية. ولكي يتم الحفاظ على توفير أقصى درجات الرعاية الصحية والتركيز في الخطة العلاجية للمريض فقد تم اتخاذ العديد من الإجراءات الإدارية للحد من تعرض المريض لأدنى المخاطر، فقد تم الحد من وجود الطلاب وأعداد المتدربين داخل وحدات العناية الحثيثة، ووضع شروط وضوابط للزيارة مثل تحديد أوقات الزيارة في جدول زمني محدد، وحصر الزائرين في الأقرباء من الدرجة الأولى، والحرص بشكل مستمر على نظافة المكان مما سينعكس إيجابياً على سلامة المريض وكذلك على سلامة الزائرين، وقدرة الطاقم الطبي والتمريضي على أداء واجبهم بالعناية بالمرضى على أكمل وجه ودون أدنى تقصير.
وبسبب هذه الإجراءات، وللأسف، يتولد أحيانا شعور بالغضب والاستياء بين أفراد عائلة المريض تجاه العاملين في العناية المركَّزة من الفريق الطبي والطاقم التمريضي المعالج الذين يقومون بواجبهم بمنع الأقارب من رؤية مريضهم أو البقاء إلى جانبه مدةً أطول، وقد ينجم عن ذلك اتهام أفراد الكادر الطبي بأنهم السبب في تدهور حالة مريضهم الصحية أوعدم تحسنه، لذا فإنه من الأهمية القصوى لأهالي المرضى وبمساعدة الفريق الطبي أن يتفهموا ويتقبلوا ما يحدث مع مرضاهم في العناية المرَكَّزة من خلال التحدث إليهم عن حالة مريضهم وتوضيحها، وتوقعات الفريق المعالج، ومن الخبرة المتولدة لدى العاملين في أقسام العناية المرَكَّزة والإجابة عن كل استفساراتهم وتساؤلاتهم وإعطائهم التفاصيل الكاملة عن تدهور أو تحسن حالة مريضهم، وإعطائهم تقريراً يومياً عن حالة مريضهم، وإبلاغهم كل تلك المعلومات بصيغة بسيطة وواضحة وبلغة يفهمونها بعيدةٍ عن تعقيدات المصطلحات الطبية.
المصدر: الموقع الرسمي لمستشفى الملك عبدالله
نضال ملكاوي

المزيد من اعضاء هيئة التدريس