أقل إحراقاً

أقل إحراقاً

 في تلك اللحظات الأخيرة، التي تختلط فيها المشاعر بشكل جنوني لا يهم متى زمانها أو مكانها، إن كانت تحت الماء أو على شارع أسود موحش تحول لقبضة تمساح، أو في غرفة معقمة يتردد على أصحاب الابتلاء فيها بين الفينة والأخرى قوم قد عُرف بهم الأبيض الأنيق الذي يفترض أنه يعكس نقاء قلوبهم وسمو أهدافهم ورسالتهم الإنسانية، جعل الله سلاحهم العلم وعلمهم هو الأصعب على الإطلاق وعملهم هو الأسمى على الإطلاق، ومع ذلك هم أسباب شفاء وهم بشر خطاء وكل أسلحتهم المصنوعة من المودة والخير لا تملك الصمود في وجه مشيئة الله، هم يترددون على غرف الشفاء لاستدراك ما شاء الله لهم من أرواح، كما أن على الجانب الآخر أناس يستدركون آخر لحظات الوصل قبل الفراق، حيث مصارع البدايات والأشواط على أسرة بيضاء دافئة لا تدفع حرارة رغبتها في الحياة برودة الموت، الأيادي تتجاذب باحتراق لأنها تخشى نفرات الغياب، والمقل تنظر لبعضها بدموع كالجمر وكأنها تودع أنصاف روحها، في هذه اللحظات تخرج أكثر المشاعر صدقاً وإحراقاً وتنساب الاعترافات للمرة الأولى والأخيرة، والتعبير بكل خلايا الجسد عن ما فعله الحب في القلب، وكلمات الندم والمسامحة والخوف الذي يذيب أوصال القلب، ولسان حال الموقف الصعب في حضرة الأفول يقول: هل كانت الحياة تستحق منا كل ذلك العناء والعتاب والجفاء حتى ننتظر اللحظات الأخيرة كي نكون الدفء لقلوب أحببناها وأحبتنا، ونفوساً عاشرناها وعاشرتنا؟ ادعو الله أن لا يذيق أي أحد منا هذه اللحظات، لكنها تكرر كثيراً! يجب أن لا نغفل في أي جزئية من حياتنا أن هناك أبعاداً أخرى لكل الموجودات حولنا، وأولها الإنسان، هو ليس كوم تراب بل جبل من المشاعر، مهما حاولنا الوصول لعمقه فهو أعمق، كل أولئك الذين تمر من جانبهم يومياً دون أن تتحدثون هم يخوضون معاركهم الخاصة، وهناك ما يلزمنا به عنصر الإنسان من التعامل معهم حتى وإن كانوا شركاؤنا في لحظة الصعود للسلم الكهربائي، هو سلام، وسلام الكرامة يترجمه الاحترام، وسلام القلب يترجمه اللطف، وأقل سلام سليم هو الصمت، هم يشتركون معنا في الضرب على هذه الأرض، لذلك هم يستحقون منا كما نستحق منهم، سواء كانوا غرباء أو أقرباء. كلما زالت الحواجز بين شغاف قلوبنا وبين شغافهم، لازم الأمر أن نستخدم ميزان أكثر دقة في التعامل، وأكبر الإجحاف هو أن نتغافل عن ما يشعروا به وأن نتجاهل إساءاتنا المتكررة لهم، "لأننا ضمنا قربهم "، ونسينا أن القلوب جبلت على محبة من أحسن إليها وعلى كراهية من أساء، والقلوب متقلبة على من قلب حياتها بؤساً، وهي أيضاً ممتنة لمن نفث أسباب السعادة في عمقها، كما أن أكبر الإنصاف في حق أقارب القلب، هو أن ندرك أن القليل من ودنا كافٍ ليقدم لها العزاء عن ما تقترفه الحياة في حقهم كل يوم، الكلمة الطيبة منا قد تكون طبيبهم، هم أقارب القلب إذن هم يرضون بالقليل منا على أنه كثير وفير. ما تعلمنا إياه الحياة كل يوم هو أن نسارع في الخير كما يتسارع الوقت، أن لا ننتظر اللحظات الأخيرة كي نستدرك ما أضعناه، وأن لا نستهين بقيمة الود بل أن نبالغ في التنعم به وتقديره؛ لأنه هو ما يسبغ تلك النكهة للحياة، ويجعل لحظات الوداع والفراق الحتمي أقل إحراقاً؛ لأننا لا ندري متى يأخذ منا القدر كل شيء ومتى يأخذنا من كل شيء!
 
إيناس غوانمة

المزيد من مشاركات الطلبة

17 Feb

بالتحديدِ

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

 ذاكَ الشُعورُ الضامِرُ، والتَناقُضُ المُتَطابِق، والوُصول... اقرأ المزيد

17 Feb

اخشى عليك

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

أخشى عليك من أن يلف الزمان ليعود الى نقطة المرجع أخشى ان يمنحك ا... اقرأ المزيد

17 Feb

القرار

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

أسرح بعيداً وبعيداً. التفت حولي ،لم أعد أرى سوى غبار كثيف أثا... اقرأ المزيد