"غربة "

"غربة "

ما بالك أيُّها المطر، كُلما هطلتْ فتحتَ ذاكرةً كنت قد أقفلتُها! مرَّت عشر سنين وها أنت ذا تعود بي مجدَّدًا إلى ذلك اليوم كأنَّه البارحة، ما زلت أذكر تفاصيل تلك الليلة قمرها، كآبتها، وأنين المنزل الَّذي كان يحرقُ قلبي، فأصبِّره بقولي: أنَّني عائدة لن أطيل الغياب، عيوني تجول في زوايا كُلّ غرفةٍ، أحاول أن أحفرها بذاكرتي، رتَّبتُ أشيائي على الرُّفوف كما لم أرتِّبها يومًا، تساءلت في نفسي هل أصحبها معي في رحلتي، فقلت لا فَرِحلتي لن تطول، وأخاف أن يمسَّها سوء إن اصطحبتُها، قلت لها ابقي وانتظريني سأذهب وأعود بسرعةٍ، رغم الأمل الَّذي في داخلي، كان الواقع لا يُبشِّر بالعودة أبدًا، لكنَّ قلبي أبى أن يرى الحقيقة، قطعتُ وعودًا مُطوَّلةَ وبكيتُ، لا أعلم هل كانت الوعود للمكان أم أنها كانت لنفسي بأن تعود! ما زلت أذكر عندما توقَّفت عن التَّنفُّس فمِتُّ لأوَّل مرَّةٍ، عندما تخطَّيتُ حدودها، كان الأمر أشبه بانقطاع الهواء، هواؤها الَّذي كان يسكن صدري لم أعد أستطيع شمَّهُ، يقولون أنَّني أبالغ، لكنَّني أكاد أقسم أنَّ هواءها مُختلفٌ عن سائر قطع الأرض.
غصَّةٌ في صدري تجبرني على الصُّعود لسطح البناء لأنظر للسَّماء وأبكي، فالسَّماء نفسها والقمر نفسه، لكنَّ المكان ليس المكان، أرسلُ رسائل الشَّوق مع القمر -ولربَّما هذا سرُّ تعلُّقي بالقمر- أنَّه باقٍ مع تغيُّر الأماكن، فأخبرهُ أن يمسح دموعها وأن يخبرها أنَّني ما زلت أذكرها وأنَّني على وعد العودة باقية.
مرَّت بي السِّنين ولم أتوقَّع أن يؤول بي المَطاف أن أشاهدها على "الجي بي إس" عندما يفتكُ بي وحش الحنين وينهش روحي. 
كما ترى يا قمر وما زلت أبعثك بالرَّسائل، أنا الآن يا قمر أخاف العودة، أخاف بعد هذا الغياب أن تكونَ ملامحها قد تغيَّرت فلا أعرفها، أخاف ألَّا تعرفني هي فلا تستقبلني ولا تضخ إلى رئتيَّ هواءها!.


رجاء سالمة
تدقيق: تُقَى مُحَمَّد

المزيد من مشاركات الطلبة

24 Nov

"حَتْمًا سَتَصِل"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

عَزيزي، هَلْ ذهبتَ يومًا إِلى مكانٍ فارغٍ مُظلمٍ تستطيعُ رؤيةَ... اقرأ المزيد

22 Nov

"وَداعًا"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

تَفوَقَت لِكونِها أسوءُ اللَّحظاتِ الَّتي مِن المُمكن أن يشعر... اقرأ المزيد