"خِرِّيجٌ مِنَ الجَوهَرَة"

"خِرِّيجٌ مِنَ الجَوهَرَة"

بعدَ طُولِ انتظارٍ وتَيهٍ وتَشتُّتٍ بينَ مئاتِ الطُّرق، ستَجدُ نفسكَ وفقًا لسُنَّة الكونِ وصلتَ أخيرًا حافَّة النِّهاية، فِي الحَقيقة .. شعوريًّا لستَ إلا فِي المُنتصف، تجدُ نفسَك عالقًا بينَ مئاتِ المَشاعر لا تملكُ القُدرةَ على اجتيازِها حتَّى وإنْ فعَلت، ها هُنا .. أنتَ مغلوبٌ على أمركَ محكومٌ للشُّعورِ تُقيِّدُك التَّفاصيلُ والذِّكريات، تُقيِّدك الوجوهُ والأحاديثُ والأحدَاث، أنتَ مُتعَبٌ وتتشبَّتُ للبَقاء، سئمتَ الرُّوتينَ ذاتَه ومُشتاقٌ إليهِ آملًا ألَّا ينتهِي، مُتمنِّيًا تِكرارهُ مِن جَديد، أنتَ مُشتاقٌ وبِكَ لوعَة. 

 

ها هُنا .. يَقودُ بكَ الحَنينُ كطفلٍ فِي الثالثَةِ من عُمرهِ إلى نُقطةِ البِدايَة عابرًا مُسرعًا وإيَّاكَ لسنَواتِ المَرحلةِ بأكمَلها، مُبتدئًا بأوَّلِ يدٍ قادَت بكَ، أوَّلِ مكانٍ رأتهُ عيناكَ، أوَّلِ رفيقٍ، أوَّلِ دَرسٍ بأوَّلِ قاعةٍ مع أوَّلِ مُحاضِر، أوَّلِ علامةٍ لأوَّلِ امتحانٍ، مُنطلقًا بكَ لأوَّلِ دَرسٍ حياتيٍّ علَّمتكَ إيَّاهُ المواقِف، لأوَّلِ صديقٍ رفيقٍ صدوقٍ منَحتَهُ لقبَ "أخيك"، واصلًا وإيَّاكَ للسَّنةِ الأخيرَة، آخرُ الأيادِي المُتمسِّكة بكَ، آخرُ الأماكِن التِي أحببتَها وانتَميتَ لهَا، آخرُ مُحاضراتِكَ، آخرُ أيَّامِ دوامكَ، آخرُ علاماتكَ لآخرِ امتحاناتك، لآخرِ مُحاضراتكَ عندَ آخرِ مُحاضريك، آخرُ اعتمادٍ لآخرِ علامةٍ وآخرِ توتُّرٍ وأكبَره، واقفًا بكَ عندَ حفلِ تخرُّجكَ من حياةٍ بأكمَلها، راميًا بكَ وسطَ مكَانٍ وشُعورٍ لا تعرِفُ عنهم أيَّ تفاصيلَ تُذكَر، أنتَ ذاهبٌ للمَجهولِ مُشتاقٌ وبكَ لوعَة. 

 

ها هُنا .. تجدُ نفسَكَ حائرًا، أتصرُخُ ضاحكًا مُتباهيًا متفاخرًا بمَا أنجزتَ وأكرمَكَ الله، أم تتنهَّدُ بحُرقةٍ صامتًا كاتمًا غصَّةً كبيرَةً تحملُ معهَا ضحكاتِ السِّنين، مواقفَ الأصدقاء، وجوهَ الأحبَّة، أحضانَ الأخوَّة، رجالَ المواقفِ، شركاءَ المقاعِد، مُعلِّمي الدُّروس والمَناهِج، رِفقةَ الأيَّام، عُمَّالَ المَحبَّة، أصحابَ الكَافيتيريات والمَكتباتِ التِي اعتَدتها طيلَةَ هذه الأيَّام، لحَظاتَ تعبِكَ، هَزلَك، مُقاومَتك، إصرارَكَ واستمرارَك، كُلها ستَحلو بلحظَةٍ واحدَة، حينمَا تشعُر أنَّه حانَ موعدُ رحيلكَ عن مكانٍ عاشَ فيكَ سنواتٍ لا تُنسى، سيُّقيدكَ واقعٌ حَتميٌّ بأنَّ هذا المَكانَ لَم يَعُد لك، ستجدُ نفسكَ غريبًا فيهِ ذاتَ يَومٍ بعدَ زيارةٍ قرَّرتهَا، ستختلفُ ملامحُهُ وتتغيَّر بهجَتُهُ ويختَفي بَريقُه من عينيك، سيَجلبُكَ اشتياقُكَ يومًا إليهِ ولَن تجدَ فيهِ ما يسرُّك، ستَختفي الوجوهُ التِي عَهدتَهَا، ستَختفي الضحكاتُ وتذبُل الورودُ وتشيبُ الأشجَار، رغمَ صفاءِ المَكانِ الفِعلي إلا أنَّكَ ستراهُ باهتًا كئيبًا يملؤهُ صوتٌ واحِد، صفيرُ الأبوابِ والنوافِذِ وضجَّةُ الفراغِ رغمًا عن وجودِ الكَثيرينَ فيه، ستَجدُ نفسَكَ عائدًا مِن زيارتِكَ بحُرقةٍ أكبَر وغصَّةٍ أصعَب، ستجدُ نفسَكَ راحلًا دُونَ عَودَةٍ مُشتاقًا وبِكَ لوعَة.

 

ها هُنا يا صَديق .. ستنطَلقُ صافراتُ الإنذارِ مُعلنةً بدءَ مَسيرٍ جَديدٍ دونَ وُجهةٍ مُحددة، ها هُنا .. أنتَ المُنتصرُ المَغلوب، الرَّاحلُ البَاقي، الضَّاحكُ ودمعةُ حُزنكَ تُداري نفسَها بينَ الجُفون، ها هُنا .. لا شيءَ إلا ضَياعُ الكلمات، شتَاتُ العَبَرات، ودقَّاتُ قلبٍ حائِرةٌ أتنبِضُ حُبًّا وسَعادة، أَم حزنًا ولوعَة، ها هُنا .. أنتَ الرَّاحلُ وكلُّ التَّفاصيلِ باقيَةٌ فيكَ ما بقيَ هذا الزَّمان.

 

الرَّابِع عَشَر مِنْ حُزيران

بقَلَم: لارا الدويكات

​تدقيق: المأمون خميس

المزيد من مشاركات الطلبة

23 Jun

"بدَمٍ بَارِد"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

عانتِ البلادُ من فقدان الرجولة طويلًا، وحينما أراد الذكور إثبا... اقرأ المزيد

17 Jun

"خِذلَان"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

    كأنْ تتكرَّرَ الكلماتُ كأنَّ قولَها واجبٌ فقط... كأن... اقرأ المزيد

14 Jun

"لَا بَأس"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

لا بأسَ بِأن يطول انتظارُك لحدوثِ شيءٍ ما أكثر مما تتوقع، لا بأ... اقرأ المزيد