جُذور

جُذور

"جُذُورٌ"

في كلِّ مرَّةٍ يعود المرءُ إلى أصْلِهِ وآصَالِهِ وبداياته؛ يجدُّ جُلَّ نقاطهِ العُظمى ليُتِمَّ مَسِيرَهُ في رحلةِ الحياة، أؤمنُ بالبدايات واللحظات الأولى، أثق كثيرًا بالجذور، أشعرُ أنها تُثَبِّت الغير، وأنَّها تُثبِّتني ما إنْ عثرتُ عليها، وأنَّها تشفُّ عنهم مالا ترويهُ أوراقهم المُنتثِرة على وَجَانتِهم وألسنتهم، الجذورُ هي الشيء الأعمق الذي يلفُّ القلب والعقل ويجمعهما في آنٍ، في الأبيض تبدأ الحكاية، ومنهُ تنتهي، يُغطى المرء بقطعةٍ بيضاء وينتهي إليها! ومن هذا أُسمي الأبيض لون الجذور بل الحقيقة.

أحتارُ باللون الأبيض، لكنِّي أجدُ فيه الحقيقة؛ وبهذا منطقي يقول لي: أتهربين من الحقيقة، فأعودُ مُرغمةً على تَقبُّلهِ بكوني فتاة تخضعُ لأحكام المنطق وتهربُ من الخرافةِ مثلما يهربُ الأسْوَد من الأبيض، وكما تقبلتُهُ عندما خلتُ بأنَّهُ لون النقاء.
النقاء؟ الأسود؟
أيمكنُ أنْ يكونَ الشخص نقيًا لمجرد كونه يعشق جذوره فهُما يعودان لطبيعةٍ واحدةٍ أو أنَّ الأسودَ القاحل هو الحقيقيّ لأنَّه يمتصُّ جميع الألوان بداخلهِ؛ فيحوي الحقيقة ويُدثِّرها كما تُدَثَّر الحكايا الغامضة فيه؛ فنعوُدُ هاربين منهُ إليه، وأنَّه يحوي كل شيءٍ كما يحوي الجذرُ اللحاءَ بل يسنده ويجعله بلا زوالٍ... فهما بالخفاء واحدًا: غامِضَين، صامِتَينِ.

الجذورُ هي الحقيقةُ كما الأبيض، وهي الامتلاء كما الأسود، فالمرءُ المُحبُ للقيادة تعود جذورهُ لأبيضٍ نشأ على جذورٍ تقولُ له: يا فتى خُذْ هذا واحمِلْهُ، خُذْ تلك المسؤولية واسرِ بها بقطعٍ من الليلِ ولا تلفتْ! وأمَّا امتلاء داخلهِ  المُمَثَّل بالأسود؛ فيخبره بشعورٍ عظيمٍ أنَّ الذي اعتادَ أنْ يحمِلَ لنْ يقفَ ويقولَ: ساعدني، فشعوره الخَفِي أخبرنا أنَّهُ سيُحِبُّ من يحمِلُ معه وعنه دون الطَّلب وقَصص الحَكايا والقَبول!

فحقيقتي وامتلائي صديقين، ولكن يعودان إلى صعيدٍ واحدٍ تنفي التهم عن كلاهُما، وبهذا عرفتُ أصْلَ الشعورِ من حقيقته، كما عرفتُ أن الأبيض يحب الأسود دون أن يُخبرانا، وأنَّهما يُكملان قصة الجذر لكلٍ منَّا؛ واحدٌ يروي قصَّتنا الحقيقيَّة بحذافيرها، والآخر يكشفُ عن امتلاء الحقيقة أي امتلاء هذا الجسد الأجوف، وكما علمتُ أسباب ميولي واختيارتي كما عَلِمَ الأسود أنَّ الأبيض نقضيهُ لا يمتص شيئًا بل يظهره وكما علم الأبيض أن الأسود ليس بخالٍ بل ممتلىء ولا يُظِهر!

وأصِلُ إلى النقطة الذهبيَّة جوهريَّة أقولها سريرةً وعلنًا:
لكل أصلٍ في الوجود تفرعين؛ الظاهر منها والخفي عنَّا، فليس بالظاهر هو الكامل، بل الماورائيَّات، فإن أحببتْ أبيضي، ستقبلُ أسودي؟
وإن خِلتَ أنَّ عمقي وأسودي هُما الظاهرين فهل ستختار أبيضي الذي يقول أنَّه لا مزيد؟!
نحن بحاجةٍ لمن يعرف الأسود والأبيض ويجمعهُما سويًا ويأخذنا بقطعةٍ كاملةٍ.
وإنِّي لأحبُّ الجذرَ بكلِّ من الفرعين، لأنَّ ثباتي يأتي من حُبي للجانبين بي، وانطلقُ شغوفةً أحبُّ الأشياء على جانبيها، وانظُرُ لجذورها.


رانيا الحلبية

المزيد من مشاركات الطلبة

20 Feb

جُذور

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

"جُذُورٌ" في كلِّ مرَّةٍ يعود المرءُ إلى أصْلِهِ وآصَ... اقرأ المزيد

16 Jan

اصنع راحتك وانطلق

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

ها قَد بَدأَ يومٌ جديد يصدح بالمُناداة ليكون يوم مُختلِف مُكلل ... اقرأ المزيد