الكَون الآخَر

الكَون الآخَر

الكونُ الآخر.
نَعَم،
إِنَّهُ الكونُ الآخر،
مُختبئٌ خلفَ السَّماء.. 
أَيُّ عَالَمٍ يُزيِّنُ فَوقَنَا!

تِلكَ الغيومُ الَّتي كَقُطنٍ أبيضٍ أَو ثلجٍ لُؤلُؤيّ،
لِجمالِ ألوانِها وأشكالِها أَكتبُ شِعرًا نثريّ.. 
وعندَ الشُّروقِ وقبلَ الغُروبِ جمالٌ سحريّ،
رَمادِيَّةٌ كانت أَم طَيفِيَّةٌ بِلونٍ بنفسَجيّ،
أَو زَهرِيَّةٌ بِلَونٍ وَردِيّ،
مُقتَبِسَةً جَمَالَهَا مِن نُورِ الشَّمس، 
تَنظُرُ إِلَيكَ وَتَقولُ بِهَمس،
أَنتَ رَائِعٌ وَأَقوى أَكثرَ مِنَ الأَمس.. 

تَستَوطِنُ حُدودَ القُبَّةِ السَّماوِيَّة، وَتَقتَحِمُ سَقفَها بِسمُوٍّ ورِقَّةٍ وعَفوِيَّة.. 
وَيكَأَنَّها كَومةٌ من الحب، كُلُّ الطِّيبَةِ مُختَزِنَةٌ في كَيانِها، وفي جُعبَتِها ما يجعلُكَ تبتسم.

نَظرَةٌ عَابِرَةٌ إلى تِلكَ الطَّيِّبَة، تُرغِمُكَ على النَّظرِ تَارةً أُخرى، لا سِيَّما حِينَما يَتَخلَّلُهَا ضَوءُ الشَّمسِ الذي يُضفِي عليها جَمالا،
تَعترِيكَ أحاسيسٌ جَيَّاشَة عندئذٍ، أَو رُبَّمَا يعبُر شَريطٌ من الذِّكرياتِ أَمامَك أو تَتخَيَّلُ عَزيزًا قد مَرَّت سِنينٌ وَشهورٌ مِنَ العُمرِ على غِيابِهِ أو رَحيله. 

ثُمَّ ها أَنتَ ذا مُمعِنًا نَاظِرَيكَ بِعمقٍ نَحوَهَا، مُحدِّقًا.. 
تَودُّ لو أَنَّ طَيرًا عَابِرًا يَحمِلُكَ إِليها لِترسُوَ على كَومَةِ الغُيومِ تِلك، فَتُلقي بِناظِرَيك مُحملِقًا بالعالمِ من أسفلِك، وَترى المَعالِمَ الجَميلَةَ لِلأرض. 
                                          
كُلُّ نَظرَةٍ وإحساسٍ بِالجمالِ يسوقُ إليكَ راحةً وسكينةً تسريانِ بِرفق؛ كَغِذاءٍ لِروحِك... كَإِنعاشٍ لِقلبك.
هِيَ قبلَةٌ للدُّعاء، وَوِجهَةٌ مُناسِبَةٌ لِكُلِّ من أراد الهرب بعيدًا، لِمَن لم يَجِد مَلجأً يحتويهِ سوى اللهَ ليبوحَ لهُ بِكُلِّ شَيء وَ يستمِدَّ منهُ القوَّةَ لِيُعاوِدَ النُّهوضَ من جديد. 

تِلكَ الغُيوم،
نَعَم لا زِلنا نتحدَّثُ عنها،
لا أدري ماذا بِالضَّبطِ مَا الشَّيءُ الكائِنُ فيها لِتُؤَثِّرَ فِيَّ كُلَّ هذا التَّأثير،
تَحتَلُّ سقفَ القُبَّةِ السَّماوِيَّة،
وَهَذِهِ القُبَّةُ بيتُنا الكبير؛ الذي يربطُ بينَ سَطحِ أَرضِنا بِالسَّماء. 

هذهِ الغيومُ هي موطِنٌ للطُّيور، وموطنٌ لِعيونِنا إِذا تَاهَت بالظَّلامِ ولم تعثُر على النُّور؛ فَتَحتَضِنُ الأَعيُنَ الأَغيُمُ الرَّاسِياتِ العائِمَاتِ على صفحةِ السَّماءِ الزَّرقاءِ وتُضفي رَونقًا وبريقًا جميلًا لِعُيونِنا.  

ليستِ السَّماءُ وحدَها والغيوم،
بل زِد على ذلكَ أيَضًا القَمَرَ والنُّجوم،                    
والزَّهرَ والشَّجَرَ والفراشاتِ التي من حولِها تحوم،
والمطرَ والنَّدى على الورق،
والشَّمسَ في الصَّباحِ عندَ الشُّروقِ ذاتَ أَلَق،
والطيورَ المُحَلِّقاتِ بِأَنَق، 
إلى هذا كُلِّه أَمعِن.. 
لا تُمعِن فَحسب!
بَل أَصغِ جَيِّدًا أَيضًا واشعُر بِكُلِّ شيءٍ جميلٍ من حَولِك.. 
                                                            
نسيمٌ عليلٌ يسوقُ لكَ البِشرَ ويهمِسُ قائِلًا: اطمئِن وأَرِح بالَكَ قليلًا..
أنغامُ الطُّيورِ ونَسقِهَا، تَغريداتُها تَسابيحٌ وتَباشير، وَيكَأَنَّهَا تقولُ لك: أنتَ في أمانِ ورحمةِ الله ولا تزالُ الدنيا بِخير.. 
صوتُ الأذانِ الجَميلِ الذي يصدحُ في كُلِّ مكان، 
و يقولُ لك: لَبِّ النِّدَاء، أَقبِل بِاشتياق؛ للرَّحمةِ، للفلاح والصَّلاح، لِلصَّلاةِ، لِلقُربِ من خالقِ الأكوان، عندهُ رَتِّب أُمورك، وَكِّل أَمرَكَ إليه؛ فخزَائِنُهُ مَلأى لن يَرُدَّكَ صِفرًا إِذا أَقبَلتَ إليهِ بِصِدق. 

انظُر إلى الأشياءِ بمَنظورٍ آخَر؛ بِمنظُورٍ حِسِيٍّ مُرهَفٍ جميل.. ما إِن أَمعَنتَ نَاظِرَيكَ بها، ستَشعُرُ وَيكَأَنَّ شَيئًا فِيكَ قد فَتَحَ أَبوابَهُ على مِصراعَيه؛ رغبةً في معرفةِ سِرِّ هذا الجَمالِ الكامِن.
والفضولُ الَّذي يُراوِدُنا لكي نتعرَّف، نَتعلَّم ونَرتقِي؛ يدفعُنا للعمل، للبحثِ أكثر، للإبداع والإنجاز. 

إِنَّ كُلَّ ما خلقَ اللهُ لنا في الطَّبيعةِ فيهِ مُتعةٌ للنَّظرِ وتَفَكُّرٌ وتَدَبُرٌ ومعرِفةٌ تَؤولُ بنا إلى أَنَّ كل شيء لم يُخلًق عبثًا وأًنَّ من وراءِهِ حكمةٌ مُكتَنِزَةٌ علينا اكتِشَافُها، لذا؛ انظر، تمعن، تدبر، واكتشف الجمال الكائن من حولك.

أعودُ وأُمعِنُ النَّظر كتوَّاقةٍ لرؤية النور تارةً أخرى، فأرى صفاءً شاسعًا لا حدود له مُترامٍ و فسيح، حقولٌ من الغيومِ تُزيِّنُ تلك الورقة الزرقاء التي هي أرضها موطن السكينة، موطن المودة 
والرحمة.. 
أَهِيَ نقاءٌ أم عطاءٌ لنا، لا بل هِبة......... نَعَم، إِنَّها كذلك.
كل شيء من الله هو هبةٌ لنا وجب علينا حمدُه عليها. 

وفي ملامح الكون الآخر رسالة لكم، بأن كل شيء سيكون على ما يرام وأن القادم أحلى بإذن الله، فمتعوا نواظركم بالنظر إليها وجَمِّلُوا صفحة يومكم بكل ما هو خيِّر وجميل. 

وللهِ دَرُّ ناظرٍ يحمَدُ اللهَ و يُسبِّحُهُ على جمالِ ما خَلق،
على آلاءِهِ على الإِبداعِ الذي نَسَق،
على الحكمةِ التي أَودَعَهَا في كل شيءٍ خَلَق،
وسلامٌ على كل شخصٍ ينثرُ بمرورهِ، بحضورهِ، بحديثهِ، بأفعالهِ البهجةَ والعَبَق.
وصلى اللهم على رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم الذي عَلَّمنا حُبَّ التفكرِ في خلق السماوات والأرض، فَطبتَ حيًّا وميتًا يا نبي الله.


رانيا العمري
تحرير: سارة النمر
تدقيق: تسنيم القيسي

المزيد من مشاركات الطلبة

17 Mar

حادثة مستشفى السلط

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

مَا بالُ الدُّنيا تُلقي عَجِلَةً لِأسبابٍ نَجهَلُها بأرواحِنا... اقرأ المزيد

17 Mar

الكَون الآخَر

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

الكونُ الآخر. نَعَم، إِنَّهُ الكونُ الآخر، مُختبئٌ خلفَ السّ... اقرأ المزيد