"ثانيَةُ يأس"

"ثانيَةُ يأس"

كَيفَ حَالُ القَلبِ الأَسِيِّ المُحتَلِّ بُهتَاناً؟ ألا زَال بِمَتاهَاتِ الحُروبِ وتَضارُبِ سُيوفِ الآلامِ في نَبضِهِ حَيراناً؟ فَأيُّ ذَنبٍ بغَفلَةٍ قد اقتَرَفَهْ لِيَقودَ لَهُ جِزيَةً جَيشاً مِنَ الأحزَان، تُصَارِعُ الآمَالَ المُجنَّدَةَ فيهِ وتَنتَقيهِ مَكَاناً؟ أم قَد نَفَدَت رِمَاحُ صَبرِهِ الَّتي كَانَ يُلقِيها بِحَرارة فَتُصِيبُ جَبهَةَ الآلامِ فتُزهِقُها بِجَدَارَة؟ 

هَلمَّ القَلبَ وقَد شَاعَ أحزَاناً وكُسِرَت مَنارَةُ أحلَامِه بَعدَما كانَ انعِكَاسُ ضُوئِها بَين بُؤرَتيه يمُّدُ فيهِ اطمِئنَانا، وبَطشُ الآلامِ بالآمَالِ بِجذعِهِ مُنتَهِكة أوَ كيفَ يُبقِي أَسهُم الأوجَاعِ المُصوَّبَةِ غَزواً فيهِ مُنتَصِبة؟ كُلُّ ذاكَ يَعود بَعد أن فَتَحَ أبوابَ حُدودِهِ (ثانِيَةَ يأسٍ) فَغَدَرَهُ اليَأسُ المَكنونُ فِيهِ مُستَدعٍ غُزاةً مِن الآلامِ والأوجَاعِ فِي ضَلال.

أَينَ عَرشُ الأمَلِ فِيكَ يا فُؤادِي والقَصرُ الزَّاهِي بالمُراد؟ كَم قَد عَاهدتَني ألّا تَضَعَ لليَأسِ فِيكَ شَريعَة، فَأنتَ يا عَزيزي مَن كُنتَ تَروي الأَرضَ الجافَّةَ أمَلاً وتُهدِيها بِتَفاؤُلِكَ السَّكينة، كَم مِن روحٍ معسورَةٍ دَنَتْ إليكَ لِتُصابَ بِبعضٍ مِمّا تأويهِ مِن روحٍ وَتَفان؟ فَحملتَ ثُقلَ العُسرِ عنها وزكّيتَها بِلُطفٍ في لحنِ حديثِكَ مُزدان، فأينَ كُنتَ تُخبِئُ كُلَّ ذاكَ الهمِّ المُتراكِم؟ كيفَ لَم تُفشي عَينيكَ بِدمعٍ مِن سِرِّ أنينِكَ المَتَفاقِم؟  

أَدري أنَّ بَعضَ الآلامِ لا نَقوى عَلى إخمَادِها وتُبقِي فِينَا ألهِبَةً مُشتَعِلَةً عَنيدة مَهما كَانَت تَياراتُ الأمَلِ فِينا شَديدة، بَعضُ الآلامِ وإن غَادرَت تَترُكُنا رُكامَاً إن اشتَدَّت عَاصِفَةُ يَئسِنا تَفَرَّقَت أجزاؤنا وَغَدوْنا بَعدَها كَالسَّراب، بِلا أيَّةِ عُهودٍ بينَ أحَاسِيسِنا بالإِيَاب.

سَلامٌ عَلى الظُّلمَةِ كَم احتَمَلت! الَّتي لَطالَما أخفَت دُموعَنا وعَويلَنا احتَضَنت وَشهِدَت شَهقاتِ بُكائِنا المُتَقطِّعة، وسَلامٌ عَلى الأنوارِ الَّتي باتَت ضَحيَّةً لِأحزانِنا حَتّى اعتَدنا إطفائَها مع انطِفاءِ مُهجَاتِنا حتَّى تُخفِي ذاكَ اللَمعَانُ المكنونُ في الأعيّنِ الباكِية، لكِن أتُدرِكُ بأنَّنا نَحنُ من نَجلِبُ لأنفُسِنَا الأحزَان ونأذَنُ لها بالتَّطفُلِ على أحلامِنا ونُعطِيها كُلَّ ما نملِكُهُ مِن عَنان؟ نَحنُ من نَفتَحُ للأَلَمِ الدَّاقِّ الأبواب لِنبدأَ مُعانَاةً كادَت ألّا تَكون لو لم يَشأ بِنا يأسُنا الجَهِلُ هذا العَذاب، ولِتَعلَم أنَّ الآلامَ تَغزوا كُلَّ مَن يَحسَبُ أنَّهُ مِنَ الميِّزاتِ عَائِل وتَترُكُ الوَاثِقَ وتَسخَرُ مَن بِكُنوزِ أحلامِه غافِل.

لِذا، كُن قَوِيّاً دَائِماً أو تَظاهَر بالقُوَّةِ أمَامَ آلامِكَ وعِشْ لِذاتِكَ وللآخََرين عَذِباً كالرَنين، حَتى لو كانَ الفاصِل الذي بَينَكَ وبينَ الشَّدائِدِ لَحنُ إيقاعٍ حَزين، كُن مُتألِقاً بذاتِك فَخوراً بإنجازاتِك واثِقاً بِِتحقيقِ ما يحمِلُهُ القَلبُ مِن أحلَام، قَاتِلاً كُلَّ ما يُرهِقُكَ مِن أَحزَان، مُتيقِناً بأنَّه لَيسَ فِينا المُنقَّحُ مِنَ الآلام، ولكِنَّنا كُلُّنا نَقِفُ أمَام الأوجَاعِ نُقاتِل تَارَّةً وأَلفَ تارَّةٍ فلتُقاوِم.

 

 

روند أبو عصبة

تدقيق: ميار دناوي

المزيد من مشاركات الطلبة

20 Jun

"اترك بَصمة"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

ألم يَتسائلَ أحَدُكم لِماذا ذاكَ الإنسانْ ماتَ مِنَ الدُنيا وَ... اقرأ المزيد

20 Jun

"عُدتُ"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

شُعورٌ يُشبه الوِلادة من جديد، شيءٌ يُشبه فكرة أزليَّة فقط شعر... اقرأ المزيد