"وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا"

"وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا"

وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفَا..
الضَّعفُ أَمرٌ فِطرِيّ، قَد يُمَثِّلُ مَنطِقَةَ الرَّاحَة، وقَد يُمَثِّلُ نِهايةَ بِداية، وَبِدايَة انطلاقة جُزْءٌ مِن إِنسَانيتنا، هُو سَجِيَّتُنَا الطَّيِّبَةُ الطَّاهِرَةُ تُمِلُّ عَلَينَا أَن نَكُونَ ضُعَفَاءَ فِي مَوَاقِفَ لا نَقوَى عَلَى مُوَاجَهَتِهَا أَو تَحَمُّلِهَا، فَنَنهَارُ بَاكِينَ لِحُزنٍ أَلَمَّ بِنَا وَأَلَمٍ حَلَّ عَلَينَا، أَوْ لِحُزنٍ دَفِينٍ كَانَ مُتَرَسِّباً فِي قَاعِ الأَسَى فَرَسَى عَلَى سَطحِ قُلُوبِنَا، مِن تَرَاكُمِ الشُّجُونِ فَاغرَورَقَت عُيُونُنَا، أَو نَادِمِينَ طَالِبِينَ الْعَفوَ وَالْمَغفِرَةَ مِنَ اللهِ لِذَنبٍ اقْتَرَفنَاه، أَو لِمَرَضٍ حَلَّ بِنَا، وَإِن كَانَ خَدشٌ بَسِيطٌ عَلَى جَسَدِكَ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِكَ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى أَو أَن نُفرِغَ حُزنَنَا وَأَلَمَنَا الَّذِي اعتَصَرَ قُلُوبَنَا، حِبرًا عَلَى وَرَق.

أَو مِن تَرَاكُمِ التَّعَبِ عَلَينَا وَالكَلَل؛ مِن كَثرَةِ العَمَل، أَو حَتَّى التَّفكِير وَقِلَّةِ النَّوم. ومَاذَا عَنِ القَمَر، الْقَمَرِ الَّذِي ظَلَّ لَنَا كَالسَّمِير؛ الَّذِي يُجَالِسُكَ وَ يُحَدِّثُكَ لَيلاً وَيُوَاسِيكَ سِرًّا وَكَأَنَّ هَمًّا وَاحِدًا َلا يَكفِي حَتَّى نَصِلَ دَرَجَةَ الضَّعْفِ وَالتَّشَظِّي بَل تَستَأْنِسُ الهُمُومُ وَالأَحزَان، وَالشُّجُونُ وَالآلام الَّتِي تَنزِلُ وَ تَهُبُّ كَرِيحٍ عَاتِيَةٍ معًا، لا تَجتمِعُ إلا معًا،وكأنهم يُحبون ذلك، وبِمَقدورهم أن يَكسِروا زُجاج قلبك من كثرة الضَّنى.

أو أن نجلس مع أحدهم، أو حتى معنا، فَنُفرِغَ ما بداخلنا من طاقة سَلبيَّة، وَحُزنّ تم أسره، وقد فُكَّ أَسرُهُ بمجرد الكلام، أو بالأحرى، بعد أن أَنطقتَ لسانك وحَلَلتَ عُقدَتَهُ قَسرًا، أو سِرٍّ نود أن نتخلَّص من قُيودِه أو من كِبَرٍ وَشَيبٍ غَزَانا.

وماذا عن شوقنا وهِيامِنا الذي هَيمَنَ علينا لعزيز غائب أو راحل، أو مُسافر؟ حتى أرضنا وبيتنا، وأصحابنا الذين نَحِنُّ إليهم، وإن غِبنا عنهم للحظات، أو لِأيَّام، أو لِسنواتٍ طِوال ومُحاولاتِنا لِاسترداد واستحضارِ الأيام والذكريات الجميلة البريئة، والأحلام المُضحكة والكبيرة مُذ كنا صغارًا و رغبتنا في أن نكون على قدر التَّفاؤل والأمل الذي امتلكناهُ في تلك الآونة أو المرحلة من العمر.
أو أن نتصنَّع الضعف لنهرب من شقاء الحياة، وحتّى فشلنا وخسارتنا. 

هذه هي المَواقف التي تدعكُنا ونحن ضُعفاء، ثم نخرجُ منها بعد عجن ولت قويِّين متينين، فتزيد قوَّة احتماليتنا على الصبرِ؛ فنصير أشدّاء قويي البنية والكلمة، ذوي حكمة وحِنكة.

فلا بأس عليك إن ضَعُفت، فليست القوة هي كُل شيء، وليست القوة في كل شيء، وكما يُقال لكل جواد كبوة أو هفوة، ولكل فارسٍ غفوة، لكن ما مِن جوادٍ يكبو للنهاية، وما من فارسٍ يغفو لِلأبد.
وكم من أُناسٍ سقطوا من على الصَّهوة -القمة- إلى القاع، ولكنهم وقفوا على أقدامِهم وامتَطَوا فرس نصرهم، وعادوا إلى سَرجِهِ بعد تَرَجُّلِهِم عنه، بعد فترة ضعف طويلة اجتاحتهم فاجتازوها.
 
وفي هذه المرحلة شَرَعُوا رُمحَهُم نحو هدفهم، وَعَمِلوا على أنفُسِهِم، دَرَّبوها وربوها، حتى وقفوا، ثم شرعوا طريقهم نحو القمة من جديد. 

ماذا عنك؟! اشرع باباً نحو طريق النجاح، ولكن الأهم بعد تلك الفترة، فترة الضعف، أن تخرج من ضعفك ويأسك سالما؛ وهذه المرحلة التي عشتها ما هي إلا نقطة انطلاقك إلى شيء أعظم مُبهر أجمل بإذن الله.
وبعد تَجربتي في هذه الحياة ومُذ كنت صغيرة حتى وصلت إلى ريعان شبابي وأنا أعمل بنصيحةِ أمي إذ قالت لي: إن الله هو الملجأ يا بُنيَّتي وفي القرآن ما يمنحكِ السّكينة والطُّمأنينة؛ فألق رِعايةً واهتماماً تيسيرًا من الله وتوفيقًا، وكلما ضَعُفت أعيشُ مرحلة الضَّعف كاملة وأُفرغ هَمِّي لله على سجادتي في سجود الصلاة، فأخرج إنسانا آخر كان قد خذله الدَّهر والبشر فأعانه على الوقوف رَبُّ البشر.
حينها أطلب منه أن يُمِدَّني عزيمةً وطاقة تجعلني أُتِمُّ ما، ما تبقى لي و ما علي.

وكلما مَرَرتَ بلحظة يأس بأس وفشل وانهَمَرْتَ ونسيك الدَّهر، اعلم مليًّا أنَّ الله لن ينساك إن لم تنساه، واجعل الأمل والثقة والإيمان باللّه والرضا كالقلم المُخلِص يُسامِرُكَ وَيُجالِسُكَ أين ما حللت و ارتحلت.      

في النِّهاية نحن بشر، قد نَضعُفُ أحياناً وقد نقوى أحيانًا أخرى، يومٌ يكون لنا ويومٌ يكون علينا، هكذا هي سُنَّةُ الحياة، لا تسير على نسق واحد، استحالة الأمر جَلِيَّة، فالاختلافُ سنة والاختلاف جميل.

ولا يفك جبرنا وكسرُ خواطرنا سوى لجوئنا إلى الله، ومُواساة أنفسنا بجميل الكلام، أو أن نرى عزيزًا وأن نرسم بسمة على محيا من يحتاج لها، واتبع مقولة محمد علي كلاي: عِشّ ضعفك أمام الله ثم اخرج لهم بكامل قوتك.

 


بقلم: رانيا العمري
تدقيق: شـــــــــــــــــــــام البطاينه

المزيد من مشاركات الطلبة

3 Aug

"لا أحِبُّ الآفلين"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

  وُلِدتُ أعرِفُ الأبيَضَ والأسوَد وَكُلَّما أصابَني بَعض... اقرأ المزيد

1 Aug

"الحقيقة لا تصطدم"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

الحَقيقةُ لا تَصدِم وَلا تَصطَدِم بِشَيء! إنَّها الأوهَام وَال... اقرأ المزيد

1 Aug

"طريقٌ عنوانه أنا"

لرؤية الخبر كاملاً انقر على الصورة

أيَّ جَمالٍ يُضَاهي أنْ يَكون لكَ مَوطنٌ ثابتٌ في كُلِ حـادِثَ... اقرأ المزيد